الأشكال البحرية وفق محاكاة حبكة بصرية متلاحمة
ضحى عبدالرؤوف المل
تكسر الفنانة التشكيلية “منى عز الدين” (Mona Ezziddine) التقاليد اللونية من خلال تلافيف اللون نفسه، وتدرجاته، وخفوته وسطوعه. لتتخذ من طبقات الألوان قاعدة تنطلق منها نحو الأشكال البحرية وفق محاكاة حبكة بصرية متلاحمة مع مساحة مفتوحة، كبحر لا نهاية له. متأثرة بالهجرة ومخاطرها وجموحها، بمقاربات سمكية هي رمز للولادة والفناء والوحشية، والهروب المؤدي إلى الهاوية، وبملامسة فنية يعتريها الصراع اللوني بين الأزرق المتوهج والأصفر الضئيل مع البني الشحيح. لنشعر بقلق الريشة وتوجسها من الهجرة البحرية التي قضت على الكثيرين من المهاجرين، بمختلف المجالات من أحجام وأشكال وأنواع واتجاهات هي مصطلحات متأثرة بموضوعية الحرفة اللونية التي تنتهجها "منى عز الدين" بتعبير مشحون بالمعنى الهادئ، المحمّل بعدة عواصف إنسانية لا يدرك مخاطرها إلا من يبحر في الأخطار مع أسماك تفترس كل ما تلتقطه ويفترسها من يلتقطها، بمعادلة تظهر من خلالها نتوءات الحسك وحيثية الصنارة والخيط، وبمحاذاة المعاني المغمسة فنياً بجمال ينطبق إلى حد بعيد على مقولة عامية نسمعها من صيادين (اللي خلق علق). فهل تشكّل سمكات "منى عز الدين" فضاءات فنية قُذِفَت بها في الأزرق عبر ضوضاء طبقات اللون المشدّد على مخاطر الإنسانية؟
أشكال وإشارات ورموز تعبيرية تتوازى مع المفهوم الذي انطلقت معه ريشة "منى عز الدين" المتناغمة مع التحولات، وبمفارقات في قياسات تتآلف مع فكرة البحر اللامحدود، ومخاطره ضمن المعنى البصري المؤدي إلى دفع المتلقي نحو استكشاف المعنى المجرّد من التنافر، وإنما بخلق التضاد الصامت، ببلاغة لونية هي تحديات لأفكار تُعالَج من خلالها فكرة الإبحار غير الشرعي ونتائجه المؤدية إلى هلاك الإنسان والبيئة البحرية معاً. إضافة إلى إضفاء ديناميكية على أسماك منثورة الحسك من تخمة تؤدي إلى هلاكها أيضاً. وفق تناغمية اللون والشكل والتوغّل الضوئي للإحاطة بتفاصيل صغيرة جداً للاطلاع الفني على موضوع ذي أهمية إنسانية تطلقه عز الدين من خلال رسوماتها البحرية وتشكيلاتها التي تلتزم بقضية الهجرة غير الشرعية عبر مراكب الموت التي لم تصوّرها وإنما اكتفت بالأسماك وأشكالها المختلفة المنضوية تحت مفهوم تغذيتها من بقايا الإنسان في البحر (وكونتراست) اللون الواحد والشكل الواحد، وبتأثيرات الضوء والظل وجمالية الداكن والفاتح عند اختلاطه بالأشكال الشفافة والتنميقية وأبعادها في هذه الأعمال تحديداً التي تشير إلى قوة الأزرق في إظهار كافة التفاصيل التي انساقت مع الفكرة بتؤدّة مع اختلاف بصري لا يتنافى مع الشعيرات الدقيقة للألوان التي يتشكّل منها حسك السمكات أو الهيكل الأساسي لها، وحالة التخوّف من الهجرة الدائمة غير الآمنة في البحر.
تتقمّص ريشة الفنانة "منى عز الدين" حالة لا شعورية جعلتها تغوص في العمق البحري لاستخراج القوة في المعنى وتأملات تصفو مع حالة تشتقّ من ظلامية تبحث عن محوها بالأزرق وتدرجاته. لاستعراض قدرات اللون نفسه على فرض الفكرة بموضوعية زينتها بخصوصية الهجرة البحرية وإشكاليتها التي تؤثر على المشهد الفني ومصداقية أحاسيسه الخاصة، وتداعياتها المتلوّنة بالأخطار والهواجس والقلق والخوف والانتظار والنجاة، والخروج برؤية تكبُر من خلالها المخاطر البيئية والإنسانية المؤدية إلى تلف في نظام طبيعي هو أكبر من الألوان التي وحّدتها بلون بحر يبتلع كل داخل إليه، ويحيا من خلاله كل خارج منه. لهذا نجد السمكات اللواتي أمامهن صنارة مكتملات الحجم من حيث الدلالات والإيحاءات والتعبير الرمزي المتصل بمتاهات الخروج والدخول والموت والحياة والبقاء والفناء، ومعادلات الطبيعة التي تتوازن مع عالم البحر. فهل من منحى تأملي لمخاطر الهجرة في أعمال الفنانة "منى عز الدين"؟
اعمال الفنانة التشكيلية “منى عز الدين” (Mona Ezziddine ) من مجموعة متحف فرحات
ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D9%85%D9%86%D9%89-%D8%B9%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B4%D9%83%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%81%D9%82-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%A9-%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9/#google_vignette
تم نشره في جريدة اللواء عام 2019