فنّ يميل إلى المجرّد التوضيحي ذي المسار الأحادي.

ضحى عبدالرؤوف المل

يمدّ الفنان التشكيلي "نديم كوفي" (nadim kufi) الخطوط الفنية المجرّدة التي تُلهم الحذر والخوف والخروج من عالم إلى عالم عبر حلم اليقظة الذي يتشكّل وفق امتدادات مرهونة برمزية الخيوط المتشابكة، والخطوط الشائكة في فنّ يميل إلى المجرّد التوضيحي ذي المسار الأحادي الذي يتّخذ منه جميع أنواع الاتجاهات. بتشييد مسطّح مكشوف الخطوط العمودية والأفقية والمائلة واللولبية المُؤهَّلة بالإمساك الشائك التجريدي القائم على أحلام اليقظة، وإيقاعات الخطوط التي يتوّجها "نديم كوفي" بزهد موضوعي يهدف إلى خلق رمزيات لثيمة المخاوف المشتركة في العالم. فهل من مادة تشكيلية تشير إلى الظلم والرعب والهواجس في فنّ يطمس البكائيات والنواح والشكوى، ويستبدلها بصمت جمالي هو بصمة حياة تتجلّى بوضع الخيوط الشائكة حول كلّ ما هو مخيف متمرّد يجنح للشر. لتكون هذه الخطوط هي رسالة سلام موجعة للعالم.

متعة شائكة يجتاحها التكوين الهندسي الناتج عن التأملات لمشهد يتغذّى من الخطوط التي تُحيط بأيديولوجيّتها مفهوم المكان المتحرّر من الواقع والهارب نحو أحلام اليقظة وبالعكس. ككناية فنية هي مجاز بصري محسوب بدقّة. إذ يمكننا فهم الأسلاك الشائكة كغريزة البقاء القوية المتشابكة مع الخطوط دون رتابة أو تكرار يبدو للوهلة الأولى. إلّا أنّه في رسومات الفنان "نديم كوفي" يعتمد زخرفيًا على التركيب المفاهيمي البصري للحفاظ على متعة التسلسل الذي نظّمه وفق جدول رقمي، لمشهد داخلي صامت يدفع المتأمّل للأسلاك الشائكة إلى الإسراع بصريًا بحثًا عن الهدف، وهو المساحة الخلفية ذات اللون الأحادي التحرّري، ليسيطر على القلق من خلال استحضار الشريط الشائك في رسوماته، ودلالاتها الفنية بمجرد رؤية العقد المترابطة التي تقف في وجه التراخي أو الانفلات أو التلاشي اللانهائي الذي يبدو في رسوماته، كضوء ينساب مع الخطوط بسرعة حيث الارتباك، وحلم يقظة يبحث من خلاله عن مشهد الحرية خلف الأسلاك الشائكة. لتبدو كلّ نقطة فيها هي حياة لمعذّبين على الأرض، وبفلسفة تراجيدية مؤداها الأمل والحياة والسلام في التآلف والترابط، والانصهار الجزئي مع الكلّي لمقاومات العذابات والمخاوف، والخروج من بوتقة أحلام اليقظة بسلام.

بحث عن خطوط منسجمة تدافع عن التقسيمات المجرّدة التي يؤلّفها "نديم كوفي" وفق معادلات ذات قيمة غير عبثية، وإن بدت بصريًا كذلك، لكنها رسومات بيانية متحرّرة من الواقع المرّ، وبأشكال استخرجها نفسيًا من عالم ذهني هو متاهة شائكة لا خروج منها. لأنها تخطيطية مترابطة متضافرة الاتجاهات. فالأسلاك الشائكة، ربما هي الحرب والسلم والحب والسجن والمصاعب، وكل ما من شأنه أن يزيد من مخاوف الإنسان، ويدفعه نحو أحلام اليقظة. ليكتشف الحلول وإن كان ثابتًا في نقطة ما. إلّا أنّه يتحرك مع اتجاهات الخطوط المختلفة التي تمثّل لحظات الحياة الطويلة والقصيرة المائلة والمنحنية والأفقية والعمودية. إذ لا جمال في الحياة دون التناقضات والتضاد والصعوبات، ولا شيء مستحيل خلف الأسلاك الشائكة حتى الحب، وهذا يعيدنا إلى المؤشر الأقوى للحروب ومصاعبها القابعة خلف الخطوط واتجاهاتها كافة. مما يضفي هندسة بصرية على رسوماته التي تجعلنا نتخيل مسارات السلام فيها أو خطوط الأمان. إذ يعزّز فكرته بالتواصل والتلاحم مهما بلغت الصعوبات بحيث إلى سلك شائك يؤدي إلى آخر في محاولة لمواصلة السير قدمًا في الحياة مهما بلغت صعوباتها أو استحال الوصول إلى السلام. فهل يروي "نديم الكوفي" قصة العالم وحروبه الشائكة في رسومات الأسلاك الشائكة؟

اعمال الفنان " نديم كوفي " (nadim kufi ) من مجموعة متحف فرحات

ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%86%D8%AF%D9%8A%D9%85-%D9%83%D9%88%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%86-%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%B1-%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B6%D9%8A%D8%AD%D9%8A/