التنمّر الأدبي
ضحى عبدالرؤوف المل
يحدث التنمّر الأدبي حين يفقد النقدُ وظيفته الجوهرية في الإنارة، ويتحوّل إلى أداة للهيمنة الرمزية، حيث تتبدّل سلطة النصّ بسلطة الشخص، وينقلب الأدب من فضاء للحرية إلى ساحة صيدٍ يتربّص فيها البعض بقلوب الكتّاب قبل كلماتهم. إنّه العنف الذي لا يُرى، لكنه يثقل الصدر، يملأ الهواء بخوفٍ غير معلن، ويحوّل الكتابة من هذا الفعل الخلّاق الذي يولد من أعمق مناطق الإنسان إلى ساحة يُعاقَب فيها المبدع لأنه تجرّأ على الوجود بلغته الخاصة. التنمّر الأدبي ليس خلافاً جمالياً، ولا اختلاف ذائقة، ولا حواراً نقدياً مشروعاً، بل هو عدوانٌ مقنّع يرتدي قناع "الرأي"، ويستعمل مفردات النقد ليخفي بها رغبة دفينة في الإلغاء، في محو الآخر، في تكسير رئته الإبداعية من الداخل.
التنمّر الأدبي يبدأ عادة من لحظة خطيرة وهي حين يعتقد شخص أو مجموعة أنهم حماة "المعيار". إذ يصبح النقد سياجاً، لا فضاءً. يتحول إلى محكمة، لا مختبر. يتعامل المتنمّرون مع النصوص كأنها امتحانات عليهم تصحيحها، لا كعوالم ينبغي الإنصات لها. يتخذون من أنفسهم سلطة معرفية نهائية، ويستعملون اللغة ليس لقول شيء جديد، بل لخلق تفوّق زائف، لتأكيد مكانة اجتماعية في الوسط الثقافي، ولتذكير الآخرين بأن الكتابة ليست حقاً للجميع، بل امتيازاً تحت وصاية "النخبة". وفي هذه اللحظة بالذات، يتحول الأدب من جسر إلى جدار، من حوار إلى استعراض قوة، ومن اختبار معرفة إلى اختبار عضلات.
ما يجعل التنمّر الأدبي خطيراً هو أنه غالباً لا يأتي بصور فجّة؛ إنه يمشي على أطراف أصابعه. قد يتسلّل في جملة ساخرة، في تعليق استعلائي، في مقارنة مهينة، في تقسيم النصوص إلى"راقية" و" لا تنفع "، في ضحكة جانبية تُطلق أثناء ندوة، أو في أحكام قطعية تُلقى بثقة مطلقة دون قراءة حقيقية. يخلق المتنمّر مناخاً يجعل الكاتب يشعر بأنه مراقب، وأن كل ما يكتبه قابل للإعدام العلني. بهذا المعنى، التنمّر الأدبي ليس فقط اعتداءً لغوياً، بل اعتداء نفسي، يطال الجرأة الإبداعية مباشرة. الكتّاب لا يخافون النقد، بل يخافون السخرية المتخفّية خلف النقد. يخافون أن تُختَزل تجاربهم إلى نكتة، أو تُحقَّر جهودهم بجملة، أو تُشوَّه نواياهم بتفسير مسموم.
التنمّر الأدبي لا ينبع من القوة، بل من هشاشة المتنمّر نفسه. إنه محاولة لتعويض نقص ما عبر السيطرة على الآخرين. الكاتب الموهوب يقرأ النص ويتجاوب معه، أما المتنمّر فيقرأ الكاتب. يفتّش عن نقطة ضعف، عن خطأ لغوي، عن انحراف في الأسلوب، عن سهو في البنية، ليحوّله إلى" دليل" على أن النص برمّته ضعيف. هنا لا يعود النقد بحثاً عن القيمة، بل بحثاً عن ثغرة. كأن الهدف ليس تطوير النصوص، بل إثبات أن الكاتب لا يستحق صوته، وأن حضوره غير مرغوب فيه. لذلك أحببت أن أكتب هذا المقال لأن التنمّر الأدبي ليس نقداً سلبياً، بل نزعٌ للشرعية. هو محاولة لطرد الكاتب من المساحة التي يحاول أن يشارك فيها، أو لتطويعه ليكتب بما يناسب ذائقة المتنمّر، لا بما يناسب صدقه الداخلي.
والأسوأ أن التنمّر الأدبي ينمو في بيئات ثقافية غير ناضجة، حيث تُخلط السلطة بالمكانة، والذائقة بالسيطرة، والرأي بالحقيقة. حين لا تكون هناك ثقافة نقدية قوية، يصبح كل تعليق سلطة، وكل تهكّم معياراً، وكل استهجان سيفاً. لذلك ينتشر التنمّر خصوصاً في المساحات الرقمية أي في منصّات التواصل بشكل أوسع، في مجموعات القراءة، في التعليقات على نشرات الكتب، حيث يختلط الحسد بالتنافس، والرغبة بالاستعراض، والخوف من الاختفاء بالخوف من التفوق الإبداعي للآخر. يمنح العالم الافتراضي المتنمّر فرصة ليخفي ضعف رؤيته تحت ضجيج كلماته. وما لا يقال يُفهم وهو أن الكاتب الشجاع يُهدّد من لم يجرؤ على الكتابة أصلاً.
لكن أجمل ما في الأدب أنه مقاوم بطبيعته. الكلمة التي تُكتب بصدق لا تسقط بالتنمّر. قد ترتبك لحظة، لكنها لا تنطفئ. فالأدب، منذ نشأته، وُلِد من الصراع أي صراع مع الجهل، مع القمع، مع ضيق العالم. التنمّر الأدبي، رغم قسوته، لا يصمد أمام نصّ حقيقي. إنّه يشبه الغباروهو يعلو سريعاً، لكنه يهبط أسرع حين تظهر الشمس. لأن ما يبقى ليس صوت المتنمّر، بل أثر النص. المتنمّرون يختفون عندما يتغير المزاج الثقافي، أما الكتاب الحقيقيون فيبقون لأنهم يكتبون من منطقة لا يستطيع المتنمّر الوصول إليها وهي منطقة التجربة الإنسانية العميقة.
ربما أهم ما يجب عليّ قوله هنا إن مقاومة التنمّر الأدبي لا تكون بالانسحاب، بل بالكتابة الأكثر نضجاً، بالاستمرار، بالثقة في الذائقة الداخلية، وببناء نقدٍ حقيقي يفضح الممارسات السامة دون أن يتحول بدوره إلى تنمّر مضاد. النقد الناضج يختلف عن التنمّر لأنه يفتح الباب، لا يغلقه. يضيف طبقة من الفهم، لا طبقة من الترهيب. النقد الحقيقي يهتم بالنص، أما التنمّر فيحاول سحق الكاتب. لذلك فإن حماية المشهد الثقافي لا تكون بالرقابة، بل ببناء ثقافة ذكية تفهم أن الاختلاف في الأسلوب جزء من جمال الأدب، وأن التجريب ليس تهديداً، وأن الجديد يحتاج وقتاً ليُسمَع، لا سكيناً ليُذبح.
في النهاية، التنمّر الأدبي ليس ظاهرة تافهة، بل علامة على أزمة أعمق وهي أزمة في فهم دور الأدب، وفي فهم دور الإنسان في فضاء الكلمة. وإذا كان التنمّر يُمارَس لإسكات الأصوات، فإن مقاومتَه تُمارَس بصناعة أصوات أقوى. كل نصّ يُكتب بشجاعة هو صفعة على وجه المتنمّر، وكل كاتب يستمر رغم الجرح هو دليل على أن الأدب أقوى من العنف الرمزي، وأكبر من كل من يحاول احتكاره أو تصغيره. وهكذا، لا يمكنني أن أسأل كيف نمنع التنمّر الأدبي؟ بل يصبح: كيف نصنع مشهداً أدبياً أو حتى فنياً تشكيلياً لا يخاف فيه أحد من كتابة ما يشبه روحه؟ أو رسم عبثي يبعث الفرح في نفوس الآخرين وهذا، في نهاية المطاف، هو جوهر الحرية وجوهر الأدب والفن معاً .
الأربعاء في 19 تشرين الثاني 2025 الساعة السادسة مساء
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=894235&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=