لغة الشكل البصري وقوانينه الفنية في أعمال الفنان الأمريكي ريتشارد أنوشكيفيتش

ضحى عبدالرؤوف المل

تخضع أعمال الفنان الأمريكي "ريتشارد أنوشكيفيتش" (Richard Anuszkiewicz) لقوانين الشكل ومفهوم اللون وأبعاده، وتغيراته وتأثيراته الوظيفية المبنية على لغة الشكل البصري وقوانينه الفنية، لإظهار قوة تمثيل الوعي، وقدرة الخطوط على نسج العلاقات بين ما هو حسي ضوئي أو مادي لوني من خلال الترابط المتين بين التصميم والشكل، والصفات الدقيقة الناتجة عن معادلات يتركها في لوحاته، لتكون بمثابة المفتاح البصري لاكتشاف ذبذبات المثلثات والمربعات وغيرها، بتفاعل هندسي بين الكل والجزء، والتلاحم المؤدي إلى النمو والنقصان من خلال مفهومين هما القريب والبعيد، والصغير والكبير والمتناقضات التي تؤدي دورها الفعال في استكمال الأشياء الذهنية. لهذا تحاكي لوحة "ريتشارد أنوشكيفيتش" البصر بمختلف القراءات القائمة على قاعدة فنية أخضعها لقوانينه التي حددها بالشكل واللون واللعبة الذهنية في الاستكشاف والتغيير، والتطور من خلال الحركة والضوء والمتغيرات والأبعاد، ولا أكرر المفردات هنا، إنما أحاول خلق تفسيرات متنوعة فرضتها لوحته على المتلقي إلى حد كبير، والتي دخلت إلى النظم البصرية بجرأة الابتكار الذي تطوّر حاليًا عبر تقنيات حاسوبية. لندرك قوة تصميم اللوحة ومعاييرها الهندسية الصحيحة القائمة على فن هو لغة عقلانية بين المتناقضات في الشكل وسياق الألوان.

ينظّم أنوشكيفيتش ألوانه بتدرجات يستحسنها الحسّ الذوقي عند المتلقي، لرقة تغيراتها من بُعد إلى بُعد، وللحريات الضوئية ونطاقها الواسع المتآلف مع المساحات والمنهج المتناقض الذي من شأنه إظهار قيمة الخطوط كافة في انسجام يهدف إلى خلق عوالم متعددة من الأشكال، وفق نغمات تتألف منها موسيقى الألوان للتعبير الهندسي عن تكثيف أشكال الأشياء المرنة، والانتقال من شكل إلى شكل داخلي عبر الرؤية الخارجية المفتوحة على تأويلات بصرية يحاكي من خلالها العناصر المرئية كافة، وبتكوين يعزّز من خلاله الخيال لمخاطبة الأفكار الهندسية المتوالدة من الشكل نفسه الذي يمكن له أن يتطوّر ويؤلّف عدة أشكال في لوحات أخرى لا متناهية. إذ تساعد الخطوط على توضيح التفاصيل الهندسية الدقيقة التي تؤدي إلى ناتج متجدد وفق خبرات الخط نفسه، بمعنى متغيراته ضمن المساحة والطول والعرض وأشكاله الأخرى. فهل حاول أنوشكيفيتش استكشاف قدرة تنظيم الألوان والأشكال عبر نبرة كلٍّ منهما البصرية؟ أم أنه قام بتطوير المصطلحات الفنية الهندسية عبر فن مرئي حركي هو ميزان العمق ومساحة سطح الأشكال الأخرى؟

مؤلفات بصرية هندسية هي حركة دائمة تشكل نوعًا من التحليل العميق، لجدليات التكنولوجيا الفنية ونتائجها على الفن نفسه، وعلى نفس المتذوق له. إذ تتوهّج الألوان مع حركة الضوء والتأثيرات البصرية وفق تباينات الفاتح والغامق وفروقاتهما التي تكتسب من صرامة الدقة تنظيم التصميم وبناءاته الهندسية المؤثرة على اختلافات الأشياء، وما يتبعها من إدراك حسي يتماهى مع خداع العين والفروقات المتعددة التي تبدأ ولا تنتهي من اللاشيء إلى اللاشيء، وفي أبسط تعبير لوني وأشد تعبير هندسي، وبين الاثنين ما يشبه الحقل المغناطيسي الذي يشدّ الأطراف نحو العمق، ومن ثم يفتحها نحو السطوع، بتوهّج ضوئي يتسرّب خلف الألوان، كأنه يدفعها لتظهر الأشكال والأحجام فيزيولوجيًا، وبغموض الوهم الافتراضي للشكل الآتي بأثيرات التذبذب والاهتزاز. ليطرح بذلك مسألة التصور المستقبلي لأزمنة وأمكنة ناتجة عن الأول، وهذا الفن يوحي بالإدراك المستقبلي للأشياء عبر فلسفة الوهم والحقائق المدروسة من دقة التأليف أو التقاط مساحة أصغر شكل لاستخراج كافة الأشكال عبر لوحة تمثل لغة التآزر والتضاد في المتناقضات البصرية ولغات أخرى.

أعمال الفنان "ريتشارد أنوشكيفيتش" (Richard Anuszkiewicz) من مجموعة متحف فرحات

ضحى عبد الرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

تم نشره عام 2019 جريدة اللواء\لبنان

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%86%D9%88%D8%B3%D8%B2%D9%83%D9%8A%D9%88%D8%B2-%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%83%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D9%8A%D8%A9/#:~:text=%D8%AA%D8%AE%D8%B6%D8%B9%20%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%20%C2%AB%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%AF%20%D8%A7%D9%86%D9%88%D8%B3%D8%B2%D9%83%D9%8A%D9%88%D8%B2%C2%BB%20(Richard,%D9%84%D9%88%D9%86%D9%8A%20%D9%85%D9%86%20%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B7%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%8A%D9%86%20%D8%A8%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%85%D9%8A%D9%85