تأطير تشكيلي فلسفي ذي تأملات مفتوحة التأويلات

ضحى عبدالرؤوف المل

تهتم الفنانة “هبة إبراهيم” (Heba Ibrahim) بالتسلسل الانفصالي لتقنيات فنية ذات رؤية جمالية، تنسجها بالكامل في قطع هي سياج بصري لمعنى تضعه في تأطير تشكيلي فلسفي ذي تأملات مفتوحة التأويلات، متجاوزة بذلك الظلال والانعكاسات، لتكون متوجهة بصريًا نحو الفكر الإنساني الاستنتاجي برموز هي خلود جيني الوجود وتجارب لمراحل يقطعها الإنسان بشتى الأشكال والألوان، أو بالأحرى بالألوان. هي استراحات في مربعات تحيط بالفضاءات حيث إطلاق العنان للمخيلة التي تحتضن احتمالات تتنوع بين التنظيمي والفوضوي والرمزي والتعبيري، بفن تتقاطع فيه التصورات التراتيبية، وإن كان بتشكيل عبثي يميل إلى التقاطع والتتابع والتباين.

إلا أنه يشكّل الأرضية الخصبة للحدود التي ترسمها وفق مربعات ونقاط، يغرق معها الإحساس العاطفي والانفعالي الذي يتيح القدرة على التحليل المنطقي لتطلعاتها الفلسفية في الفن التشكيلي.

صور فكرية لتقاطعات فنية تقود إلى رموز ازدواجية لكل منها عبرة ورؤية، أي الازدواجية المزاجية والمجازية بين الرمز والتعبير، وبين الأهداف التي تضعها لنقاط هي مربعات انتقال من مرحلة إلى مرحلة تجمع فيها الأسطورة بالحلم بالإنسان، بالانتقال والعودة إلى نقطة البداية. وبهذا ترسم "هبة إبراهيم" فنيًا الحضارة الإنسانية بانعكاسات تتشعب مساراتها مع الخطوط البسيطة المؤلفة من حكايا الإنسان المختلفة عبر النقطة والمربع واللون، وعبر النقطة والخط والمربع والأشكال الأخرى.

لتمزج بين ما هو زمني ومكاني، لتحاكي أزمنة العالم في لوحاتها المتشعبة المعنى والأسلوب، ضمن ترجمات بصرية تتركها للرائي لترتيب عناصر لوحتها وفق أزمته وأمكنته الخاصة. فهل من إشارات تشكيلية تشحنها بالرموز المثيرة للاهتمام، كأنها اللغز الذي تجمعه بصريًا في زوايا متعددة لا تفتقر للخيال، وإنما لاستنساخ الأفكار الفلسفية لتكون إبداعية فلسفية في سرد تقاطعي متشعب الأنماط. مما يسمح للمتلقي إعادة ترتيب لوحاتها كما يحلو له ذهنيا وبصريًا، أو أن يقرأ الرموز كحكايات في مربعات هي الماضي والحاضر والمستقبل، مع الفراغات التي تشكل جاذبية بصرية هي الفكر الفلسفي الذي تتمسك به هبة في لوحاتها العميقة إنسانيًا.

رموز وتراثيات، خطوط وألوان، وخربشات، لكل منها حكاية حلم تبقى في شكل أكثر تعددية من المعاني البصرية، التي تتضمن عدة أشكال خطابية لفلسفات تمنحها أسطورة أو حكاية تستهدف التوسع في الأزمنة والأمكنة، وإطلاقها بصريًا لخلق محاكاة تشكيلية تهدف إلى إثارة الاهتمام جمالياً بالحركة واللون والانعكاسات الميتافيزيقية للأشياء، حيث تؤكد من خلال ذلك على أهمية الأجيال كاملة منذ الخلق ولغة الكهوف، حيث تختلط الكثير من الرؤى مع النقاط الأساسية التي تنطلق منها "هبة إبراهيم" بريشة فلسفية مغمسة بألوان الحياة كافة. فهل من قيم تغرسها في لوحاتها شبه التراثية؟ أم هي ترسم وفق لغة تستهدف إعادة صياغة الآثار الإنسانية ودلالتها على مر العصور؟

نتحسس مع ريشة الفنانة هبة "إبراهيم الرؤيا" المشغولة إنسانيًا بتناغم مع أصداء المربعات، واختلافات ألوانها والنقاط والمقاييس بين تراخٍ وشدة وعبثية وتنظيم، وبمداد فلسفي هو هاجس الفكرة التي تنطلق منها في تجسيد ذي ميل أسطوري مشبع بالرمز، وبالأطياف الممتزجة مع التاريخ الحضاري للبشرية، وبجزئيات هي مقام لأحاسيس تجتمع معها التأثيرات النفسية المنبثقة عن ألوان مزجتها بالحنين للزمن الذي تسترجعه في لوحاتها من خلال الخطوط والخربشات بكافة أنواعها: القصير والطويل، المائل والأفقي والعمودي، وغير ذلك من صخب ينطوي على حركة بصرية تستوقف ذهن المتلقي.

إذ تسترسل بالصور المتناغمة مع الرموز الطاغية على المعاني، وبنفحة جمالية صاغتها هبة بعمق فني يشكل في روافده التشكيلية الحرص على كل أثر إنساني هو وحي الزمن الذي تضعنا أمامه، أو الحقيقة الأزلية لحضارات الإنسان كافة. فهل من سرابية بصرية في لوحاتها؟ أم هي حرص على إظهار الرموز التراثية لحضارات أعادتها إلى الوجود عبر الفن التشكيلي؟

أعمال الفنانة التشكيلية “هبة إبراهيم” (Heba Ibrahim) من مجموعة متحف فرحات.

تم نشره عام 2019 في جريدة اللواء