الشاعر والكاتب المسرحي بلال المصري للواء: "أكتب لأكون حافزًا للاكتشاف والكشف، لا أحد منا يعرف من يكون حقًّا، بمعنى آخر على الشاعر أن يضيء الشعلة."

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

ارتسمت أحلامه الشاعرية في النص المسرحي الذي لم يتقهقر رغم ضآلة الإمكانيات في تنفيذه، إلا أنه وصل إلى مهرجان المسرح المغاربي من خلال جمعية عشاق الخشبة للفنون المسرحية، الذي أخرجه الفنان الإماراتي "عبدالله الجابري"، وهو بعنوان "صراخ الجثة". كما أنه استطاع بمسرحياته الوصول إلى عدة قواسم مشتركة مع الشعر الذي كتبه في دواوين تلاحمت مع نصوصه المسرحية المتزينة بالتوجس والقلق، برغم جمالية المعنى والرسالة الهادفة التي يحملها الشاعر والكاتب المسرحي "بلال المصري"، ومعه أجرينا هذا الحوار.

- أين أنت من القصيدة الغنائية وأنت تكتب المسرح؟

تجربتي في المسرح حديثة وقد كتبت ثلاث أعمال مسرحية، وهي على التوالي مسرحية "تواليت"، والتي ظهرت ضمن قائمة أفضل عشرين نصًا في جائزة الهيئة العربية للمسرح في الشارقة عام 2014، يليها مسرحية "صراخ الجثة" والتي عرضت على خشبة المسرح من خلال مسرح رحّالة الإمارات من أبو ظبي، وقد شاركت في العديد من المهرجانات الدولية في تونس والسودان والمغرب، وفازت المسرحية في أفضل نص مسرحي ضمن فعاليات مهرجان سيدي قاسم الدولي عام 2017، وتبعها مسرحية "رحلة إلى المريخ" والتي انتهيت من كتابتها حديثًا، وستظهر هذه الأعمال المسرحية الثلاث قريبًا في كتاب بعنوان "تواريت كي لا أختفي"، ويجمع بين هذه الأعمال المسرحية الكثير من القواسم المشتركة، أهمها اللغة الشعرية التي تعبّر وتمثل المناخ المسرحي الذي اشتغلت عليه بدقة، قاصدًا تعزيز هذه العلاقة بين قصائدي ونصوصي المسرحية التي تمثل رؤيتي لنفسي والعالم. كما أطمح بعرض أعمالي على خشبة المسرح في لبنان إذا وجدت الفرصة المناسبة.

- دور الشاعر كبير في إيقاظ الضمائر كما دوره في استنهاض مشاعر الحب، هل قمت بهذا في دواوينك؟

لا أعلم إن كان الشعر قادرًا على إيقاظ الضمائر أو إن كانت هذه هي مهمة الشاعر، ولكنني أعتقد أنني أبعد ما يكون عن واعظ للناس، في الحقيقة أنا أكتب لزعزعة قناعات الناس بالمسلّمات بأنفسهم. أكتب لأكون حافزًا للاكتشاف والكشف، لا أحد منا يعرف من يكون حقًّا، بمعنى آخر على الشاعر أن يضيء الشعلة، أن يدل نفسه والآخر على مناطق نائية في الأعماق البشرية، أن يوقظ فيهم الرغبة في التنقيب والبحث، كل واحد منا كوكب يدور حول نفسه وحول الآخر، ونحن الذين نكتب أشبه بنيازك، بشهب ما نلبث أن نضيء حتى ننطفئ من جديد، لأننا في الأصل من العتمة التي هي البداية التي جئنا منها وإليها نعود.

- متى تذهب إلى ما وراء الشعر للتعبير عن كم في السياسة والحب؟

خضت العمل السياسي لسنوات عديدة، ولعل هناك روابط مختلفة بين السياسة والحب، إلا إنني في النهاية اخترت الانكفاء عن العمل السياسي والعيش في شبه عزلة متفرغًا تمامًا للتأمل وللتعمق في تجارب الماضي. لا شك أنني أتابع الأحداث وأتمعّن بمجرياتها وتطورها، ولكنني لا أتخذ منها موقفًا معلنًا، فالمشهد السياسي في لبنان والمنطقة العربية أشبه بلوحة تجريدية تحتمل الكثير من التأويل، ويرجع ذلك للغموض والعبثية في سياسات الدول الكبرى، وأيضًا لعجز مكوّنات المجتمعات المفككة من صياغة رؤية مشتركة لتكون منطلقًا للتقدم ومرجعًا للنقد، ناهيك عن الهيمنة الغربية المسيطرة على المنطقة وعلى مقدرات الشعوب. أما بالنسبة لسؤالك والشق المتعلق بالحب، فأنا في حالة حب دائمة ومستمرة: حب للاكتشاف، حب للأنا والآخر، وحب للحب. دون الحب لا قيمة للحياة، كل لحظة أذهب للحب، إنه الانفعالات، هويتي ورسالتي في الحياة.

تم نشر الحوار معه عام 2019 في جريدة اللواء \لبنان

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD%D9%8A-%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84-%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A3%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%84%D8%A3%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B2%D8%A7-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%83%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D9%81-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B4%D9%81/

الحديث في هذا الحوار ليس مجرد أسئلة وأجوبة، بل هو كشف تدريجي عن رؤية شاعر وكاتب مسرحي لذاته وللعالم، وعن علاقة معقّدة بين الشعر، المسرح، السياسة، والحب. يمكن مقاربة الحوار من عدة مستويات متشابكة: أولًا: صورة الشاعر كما يقدّم نفسه. إذ يبدأ الحوار بتعريف مكثّف لبلال المصري: "أكتب لأكون حافزًا للاكتشاف والكشف، لا أحد منا يعرف من يكون حقًا، بمعنى آخر على الشاعر أن يضيء الشعلة". هنا تتضح ملامح هوية الشاعر كما يراها هو:

الشاعر ككائن بحث واكتشاف لا كمنظّر أو واعظ. الذات الإنسانية عنده ليست معطى جاهزًا، بل منطقة غامضة تستدعي التنقيب. وظيفة الشاعر ليست أن يقدّم أجوبة، بل أن يفتح الأسئلة ويشعل “الشعلة” في العتمة الداخلية.

بهذا المعنى، الشاعر ليس "قائدًا" للأرواح بقدر ما هو "محرّض" على الشك، ومثير لقلق الأسئلة. وهذه رؤية حديثة لدور الشاعر، تبتعد عن صورة الشاعر-النبي أو الشاعر-الناصح الأخلاقي، لتقترب من صورة الشاعر-الكاشف، الشاعر-المنقّب في الأعماق النفسية والبشرية.ثانيًا: العلاقة بين الشعر والمسرح – تداخل الحساسيات كما أنه في في حديثه عن تجربته المسرحية، يربط بلال المصري بوضوح بين شعره ونصوصه المسرحية:

"يجمع بين هذه الأعمال المسرحية الكثير من القواسم المشتركة، أهمها اللغة الشعرية التى تعبّر وتمثل المناخ المسرحي الذي اشتغلت عليه بدقة..."ليس المسرح عنده مجرد حوار وحركة على خشبة، بل فضاء لغوي شعري أيضًا. النص المسرحي ليس منفصلًا عن تجربته الشعرية بل يتغذّى منها، ويتحوّل المسرح إلى "قصيدة ممتدّة" تتجسد على الخشبة.

لا يتعامل بلال مع الشعر كزخرفة لغوية، بل كـ"مناخ" يلفّ الشخصيات، الحدث، والرؤية. اللغة الشعرية هنا هي حامل الرؤية: رؤيته لنفسه والعالم.

بخلاف القصيدة المكتوبة التي تُقرأ غالبًا في عزلة، المسرح يضع اللغة الشعرية أمام جسد الممثّل والجمهور والزمن الحيّ. هذا يفرض على الشاعر-المسرحي أن يختبر قدرة لغته الشعرية على التحوّل إلى فعل، إلى حركة، إلى خطاب حيّ، لا إلى تأمل ذهني فقط.

إذن، العلاقة هنا ليست تزيينية (مسرح مزوّق بالشعر)، بل تكوينية: الشعر جزء من البنية الداخلية للنص المسرحي. أما وظيفة الشعر – بين إيقاظ الضمائر وزعزعة اليقين السؤال المباشر كان عن دور الشاعر في إيقاظ الضمائر واستنهاض مشاعر الحب. لكن الإجابة جاءت ملتوية عمدًا، لتنسف هذا التصوّر التقليدي:

"لا أعلم إن كان الشعر قادرًا على إيقاظ الضمائر أو إن كانت هذه هي مهمة الشاعر... أعتقد أنني أبعد ما يكون عن واعظ للناس..."

في قوله

"في الحقيقة أنا أكتب لزعزعة قناعات الناس بالمسلمات بأنفسهم."يمكن هنا التوقف عند ثلاث نقاط:رفض دور "الواعظ" الشاعر لا يعظ الناس، لا يحدّد لهم ما هو صواب وما هو خطأ، لا يلبس عباءة الأخلاقوي أو الإصلاحي المباشر. وظيفته – كما يراها – هي أن يحرّك المياه الراكدة في وعي الناس. الشعر عنده ليس خطابًا يقينيًا، بل خطابًا تقويضيًا للمسلّمات الوهمية، خاصة تلك التي تتعلّق بصورة الإنسان عن نفسه.

ليس زعزعة اليقين السياسي أو الاجتماعي فقط، بل قبل ذلك: زعزعة يقين الإنسان بنفسه. "لا أحد منا يعرف من يكون حقًا"؛ هذه الجملة تحمل جرعة من الفلسفة الوجودية، حيث الهوية ليست ثابتة، بل في حالة تشكّل دائم. إذًا، الشعر لديه أداة تفكيك لا أداة ترسيخ، أداة تشكيك بنّاء لا أداة تعليم مباشر.

العجيب في إجابته عن وظيفة الشعر أنه ينتقل مباشرة إلى لغة كونية رمزية: "كل واحد منا كوكب يدور حول نفسه وحول الآخر، ونحن الذين نكتب أشبه بنيازك، بشهب ما نلبث أن نضيء حتى ننطفئ من جديد لأننا في الأصل من العتمة..."

لكل إنسان مدار خاص، جاذبية خاصة، وحدة خاصة، ولكنه في الوقت نفسه يتأثر بمدارات الآخرين. هذه صورة تجمع بين العزلة والترابط. الكاتب لحظة لمعان في ظلام الوجود؛ يضيء لحظة ثم يخبو. الضوء هنا ليس دائمًا ولا مريحًا، بل خاطف، حارق أحيانًا.

"من العتمة التي هي البداية التي جئنا منها وإليها نعود". هنا مزج بين البعد الوجودي/الميتافيزيقي وبين نظرة تشاؤمية/تأملية: الأصل ظلام، والنور استثناء عابر. هذه الرؤية تمنح فعل الكتابة قيمة خاصة: النيزك ليس أهم من الكون، لكنه يترك أثرًا في الذاكرة البصرية للحظات.

في هذا المقطع تتكثّف فلسفة الشاعر:

العالم مظلم بطبيعته، والكتابة ليست سوى ومضات في هذا الظلام، لكنها ومضات ضرورية، لأنها تسمح للبشر أن يروا بعض ملامحهم قبل أن يعودوا إلى العتمة.في الشق السياسي، لا يقدّم بلال المصري خطابًا شعاريًا أو ثورياً؛ بل يقدّم تجربة شخصية وتحليلًا عامًّا:يقول إنه خاض العمل السياسي لسنوات ثم:"اخترت الانكفاء عن العمل السياسي والعيش في شبه عزلة متفرغًا تمامًا للتأمل والتعمق في تجارب الماضي."

كما يصف المشهد السياسي في لبنان والمنطقة العربية بأنه:

"أشبه بلوحة تجريدية تحتمل الكثير من التأويل، ويرجع ذلك للغموض والعبثية في سياسات الدول الكبرى، وأيضًا لعجز مكونات المجتمعات المفككة من صياغة رؤية مشتركة..."أما إدراك حدود السياسة التقليدية فيتضح في تجربته السياسية لم تقُده إلى مزيد من الانخراط، بل إلى الانسحاب الواعي. ليس انسحابًا يائسًا فقط، بل انتقال إلى مستوى آخر من الفعل: فعل التأمل والكتابة.

المشهد السياسي كفن تجريدي

القياس الجمالي (لوحة تجريدية) يعكس ذهنية كاتب مسرحي وشاعر؛ فهو لا يرى السياسة أرقامًا وتحالفات فقط، بل "نصًا" ملتبسًا، غامضًا، محمّلًا بالعبثية. اللوحة التجريدية لا تُقرأ قراءة واحدة؛ كذلك السياسة في نظره.

لا يلقي اللوم فقط على "سياسات الدول الكبرى"، بل يتحدث أيضًا عن "عجز مكونات المجتمعات المفككة من صياغة رؤية مشتركة".هذا توازن في الرؤية: الخارج يمارس الهيمنة، لكن الداخل أيضًا عاجز عن إنتاج مشروع جمعي.

التحوّل من الفعل السياسي المباشر إلى الفعل الثقافي/الكتابي

الانكفاء هنا ليس انطواء سلبيًا بالضرورة، بل تحوّل في نوع المساهمة: من مشروع تغيير سياسي مباشر إلى مشروع وعي وتأمل وتفكيك عبر الكتابة. أما الحب كحالة وجودية لا كموضوع عاطفي ..في سؤال الحب، يتجنّب الشاعر أيضًا الإجابة السطحية، ويقدّم الحب كشرط وجودي:

"أنا في حالة حب دائمة ومستمرة: حب للاكتشاف، حب للأنا والآخر، وحب للحب. دون الحب لا قيمة للحياة، كل لحظة أذهب للحب، إنه الانفعالات، هويتي ورسالتي في الحياة."كل لك يكشف عن أن الحب ليس علاقة بين شخصين فقط ، الحب فعل معرفة، فعل اكتشاف، فعل تواصل مع الأنا والآخر والعالم. " حب للاكتشاف" يربط الحب بالفعل المعرفي ذاته. الحب كهوية ورسالةلا يراه طارئًا أو ثانويًا، بل يدمجه في تعريف ذاته: "هويتي ورسالتي في الحياة". هذا ينسجم مع رؤيته للشعر: إذا كان الشعر فعل اكتشاف، والحب أيضًا فعل اكتشاف، فكلاهما من جوهر واحد.الحب بوصفه الطاقة التي تمنح للحياة قيمتها "دون الحب لا قيمة للحياة": هذا حكم وجودي مطلق، يختزل باقي التجارب في ضوء هذا المعنى.

من زاوية أسلوبية، تتسم إجابات بلال المصري بعدة سمات:الجمل المتشابكة الطويلة نسبيًا تعكس تفكيرًا تأمليًا لا يتعامل مع الفكرة كجملة قصيرة حاسمة، بل كسيل من التداعيات المتداخلة.الانتقال من التجربة الشخصية إلى التأمل الكوني يبدأ من تجربته (العمل السياسي، الكتابة، المسرح) ثم يرتقي إلى مستوى أكثر تجريدًا (الإنسان ككوكب، الكاتب كنيزك، السياسة كلوحة تجريدية).حضور واضح للثنائيات عتمة/ضوء، سياسة/حب، يقين/مسلّمات مقابل شك/زعزعة، انخراط/انكفاء.لكنه لا يعالج هذه الثنائيات كتناقضات حادّة، بل كحركات داخل ذات واحدة، تعيش توترًا دائمًا.لغة تتراوح بين البعد الفلسفي والبعد الشعري حتى وهو يجيب عن أسئلة "حوار صحفي"، فإن طريقته في التعبير أقرب إلى monologue داخلي، مليء