غموض لا يفك شفرة المعنى عن التصوير التجريدي
ضحى عبدالرؤوف المل
تستخدم الفنانة التشكيلية “روزين سيسريان” (Rosevart Sisserian) خيالها التجريدي لتصوير ما تستوحيه من أشكال، للتعبير عن مزاجيتها في التصور وفهم توقعات الظل والضوء والأثر الناتج عن ذلك، لصالح كل ما هو متخيل أو ناتج عن خيال يدفعها نحو الألوان بغموض لا يفك شفرة المعنى في التصوير التجريدي. كأنها تحاول التقاط ماهيات الألوان الماورائية أو أثيريتها في الطبيعة وما حولها، لتكتشف ذرات الألوان وأبعادها، قوتها وخفوتها، بتعاطف يرتبط بالشاعرية التي تنعكس على جمالية لوحاتها وأنماطها غير المرئية، أحيانًا بتضخيم الشكل المجرد أو الطبيعي المجرد، ليصبح غريبًا متآلفًا مع الحواس عبر ألوانه المختلفة التي تخترق البصر عن كثب، مسلطة الضوء على جزئيات استخرجتها من مخيلة الواقع بأسلوب يميل إلى إظهار ضوئيات الأشكال (عكس عدسة الكاميرا)، لنرى تجريديًا أدق الأحاسيس التي التقطتها وجدانيًا بفن ذي حس جمالي باحث عن الحياة، أو بالأحرى ما ورائيات الحياة، أو الحيوات المتعددة للكائن الحي في الأشياء من حولنا، عبر ريشة تستكشف وتحاول الربط بين الأشياء وأضدادها.
تأتي جماليات لوحاتها الإيحائية لتبث تأملات تدفع المتلقي إلى التفكّر والتوازن، وفهم سر الشكل وماهيته، أو البحث عنه من خلال لوحة تتشكل فيها العناصر الفنية بحيوية ونضارة وتوهج وحياة. تثير لوحات الفنانة “روزين سيسريان” الاهتمام البصري حسّيًا، فتدفعه نحو ترتيب العناصر الطبيعية المختلفة بشكلها الصحيح، ليستمتع ذوقيًا بما رسمته ريشة تنفصل عن الواقع، أو بالأحرى ترفض أي اتصال بالواقع معتمدة على التجريد، أو استخراج روحية كل شيء، لتضعه في زمن ما! ربما أرادته زمن اللوحة الذي تنتجه الألوان القادرة على وضع هذا المفهوم الفني أمام المتلقي. فهل حاولت “روزين سيسريان” رؤية خلايا الضوء الساقط على الأشياء مباشرة وقدرته المتفاوتة على تحويل الصورة إلى عدة صور أخرى؟ أم هو رفض الواقع رغم الاتصال به، بتجريده من الموت وإبقائه على الحياة الدائمة؟
يأتي الالتقاط الحركي ودمج الثابت والمتحرك للخروج عن نطاق الواقع باتجاه المتخيل من تأثيرات الضوء على اللون، لإظهار مستوى معين من الشكل حسّيًا دون استكماله أو إظهاره على طبيعته. بل تبقي سيسريان على غموضه أو عوالمه المجهولة، ليتفرد ويمنح الإدراك نوعًا من الإلهام اللوني المؤدي إلى الخلق والإبداع الفني، الشجي بصريًا، حيث تتوحد العناصر الحيوية من الشكل وتتناقض التفاصيل الأخرى، مما يثير تساؤلات مختلفة حول لوحات ترصد ردات الفعل حول معناها وموضوعها وحقيقتها المتخيلة. فهل أرادت من ذلك إبراز التحديات لريشتها من خلال فهم ظاهرة الإدراك البصري لما حولنا بتصوير تجريدي، مدّته بالألوان القوية أكثر من الخافتة؟ أم هو نوع من البحث عن الحياة الدائمة والجمال والوجود الأكثر إشراقًا من الحقيقة التي تتمسك بها، وتجريدها من تفاصيل تؤدي بها إلى الذبول أو الموت، مما يعطي قوة لغموض المعنى في لوحاتها.
يتفاقم السرد اللوني بين الحركة والسكون مستخدمة العناصر الأساسية في بناء اللوحة، وانفعالاتها العاطفية تجاه الألوان، إلا أن العقلانية بارزة في فراغاتها وتقاسيمها وثنايا الظل، كأنها تجمع باقات الألوان تحت ضوء معين قبل أن تغوص ريشتها في مساحات تنصهر معها هرومونيًا، بتجانس وتآلف بين الهروب من المعنى الحقيقي للتصوير والتجريد، بمزجهما ضمن المتخيل الذي ينبض حسّيًا وينتفض من ماديات تثقل كاهل كل ما هو طبيعي في الحياة. ولم تتجاهل روزين القواعد الكلاسيكية لهذا الفن، بل هربت من الواقع بفرض التجريد التصويري على اللوحة.
أعمال الفنانة التشكيلية “روزين سيسريان” (Rosevart Sisserian) معروضة في غاليري اكزود (Equipe Exode) في الأشرفية.
تم نشره في جريدة اللواء عام 2019
dohamol@hotmail.com
https://aliwaa.com.lb/%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9/%d9%85%d8%b9%d8%b1%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%86%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%b1%d9%88%d8%b2%d9%8a%d9%86-%d8%b3%d9%8a%d8%b3%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%ba%d9%85%d9%88%d8%b6-%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d9%81%d9%83-%d8%b4%d9%8a%d9%81%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89/