كينونة تشكيلية لبصمة "بريت جودرود" الفنية ولمعادلاتها الإدراكية المختلفة

ضحى عبدالرؤوف المل

يُنشئ الفنان “بريت جودرود” (Brett Goodroad) في لوحاته المساحات ذات الألوان الطبيعية الميّالة إلى طمس الواقع بضبابية ضوئية، يؤطّرها بتأثيرات بصرية غامضة في بعض منها، تميل إلى الانطباعات التعبيرية بضربات لونية تختلس من التصويرية التفاصيل المتوهّجة الألوان، المتّصلة بألوان أخرى اشتقاقية يتلاعب بها تجريدياً، لتكوين مؤلفات بصرية هي كينونة تشكيلية لبصمة "بريت جودرود" الفنية ولمعادلاتها الإدراكية المختلفة، القادرة على تحفيز وتنشيط التناقضات التي يعتمدها موسيقياً، لتوحي بالحركة والألوان الناشطة ضمن مفارقات مبنية على رؤيته للمساحة، ومنعطفات الضوء المصطدم بالأشكال اللونية الضبابية القادرة على امتصاص الحجم، وجعل البصر ينجذب نحو التفاصيل بخياله، وبمحاكاة تفرضها الألوان والظلال الشفافة التي يؤثرها ويمدّها إشراقياً، لتكشف عن تأثره باتساع المساحات البصرية التي يُستدلّ منها أنه يلتقط الأبعاد لشكل في واقع استقرّ في مخيلته الشغوفة بأطياف لا تبارح بمقاساتها وأشكالها المساحة الحياتية، ورتابتها التي زوّدته بقدرة يجمع من خلالها الحلم بالواقع. أي بين الرسم والأرض، أو بين مساحة ممتدة أمامه ومساحة لوحة يربط بينهما الإنسان العادي البسيط بأحلامه، والفنان المؤكّد على أهمية اللون وملامحه النفسية في اللوحة، التي يتضح منها أن "بريت جودرود" يتنقّل بين ثنائية الأنا والوجود، والحلم والواقع. لتبرز أمامنا لوحات سبكها بهدوء نفسي ذي أسلوب متأثر بالأرض وجمالياتها، والإنسان وطقوسه فيها إلى حدّ الانصهار بها ومعها، والتوحد مع الطبيعة وألوانها التأويلية في هذه اللوحة.

مضامين لونية هي بصريات تعجّ بالانعكاسات الضوئية ذات السمات المتّسعة والمتشعّبة في معانيها وحركتها المعتمدة على المفارقات، أو التركيز على هوية اللون الواحد ومشتقاته وتدرّجاته ونغماته المختلفة، وإظهار جمالياته عبر المساحة الواحدة، لتوزيع تشكيلي هو مفردة لعدة خصائص لونية أخرى تطغى على التفاصيل المستوحاة من صحراء أو أرض أو ثوب أو قماش أو غير ذلك من الأشكال التي تثير بصره، فيمدّها وينثرها أو يمسحها برقة ريشة تتحرك ضمن مقاييس تختلف بالعمق، وبتسليط الضوء على بيئة في مجتمع اللوحة الصغير الذي يشمل قدرة الألوان على توضيح مفهومه التشكيلي، ولغته الفنية الغنية بامتدادها المتخيّل، والنابع من صميم الواقع ووجدانية الحلم وشاعرية الأحاسيس. وكل ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقلانية والابتكار والتجديد في مفاهيم اللون تحديداً قبل المساحة، ورصد الاتساع وبناء اللوحة والأسس الأخرى التي يعتمد عليها في لوحاته النابضة بالتأملات الإنسانية، ومباهج الطبيعة المؤثرة في انطباعات الفنان والتوقّد اللوني الخاص بالإيحاءات الريفية تحديداً، أو الطبيعة الخالية من شوائب الحضارة وملوثاتها بحدس يستدلّ به على الذات الفنية الميّالة إلى التجريد، وإلى خلق انطباعات متعددة تتوالد من تجريد ومن واقع يطمسه بقدرات اللون والريشة والتعبير الخفي أو المجرّد، أو العودة إلى الفطرة الطبيعية والشاعرية التي تتلاشى بين الحلم والواقع. أو كما يقول جون راسكن: "احلم أحلاماً بعيدة المنال، فكما تحلم تكون". فهل يحلم بريت بتلاشي كل مساوئ القبح من حوله لتبقى طهارة الطبيعة في الألوان وشاعريتها؟

تمثّل حرية ريشة "بريت جودورد" تحديات تبعدها عن الواقعية التي يوحي بها من خلال طمس التفاصيل، وسحبها إلى التجريد والمتخيّل، لتكون قصيدة منطقية ذات جمالية تدنو من البساطة الإنسانية والأفكار الفلسفية، بشاعرية تساهم في بسط سلطتها على التفاصيل الفنية الأخرى وانعطافاتها الاجتماعية أو البيئية، دون الإفراط بالكشف، بل بتعاطف انطباعي هو تجريد للعودة إلى الأسس بمزيج من أساليب تخضع إلى تعديلات الرؤية الفلسفية التي ينتهجها جودورد، بضبط مبني على الكتلة والمقاييس الأخرى، بتناسق يرتبط مع الأطر الجمالية ومعانيها في لوحاته التي تستثير البصر، وتفتح آفاق التأملات نحو تكوينات هي فن متحرر من الشكل التقليدي، ومنتفض على الواقع، بل هو أرض لا حدود لها جمالياً.

الفنان “بريت جودرود” (Brett Goodroad) من مجموعة متحف فرحات

ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

تم نشره في جريدة المدى عام 2019

https://almadapaper.net/file/archiveto2615/4397/190323102108135~240320194397.pdf