الإثارة والتشويق لحدث شطرنجي تتآكل الإنسانية معه في لوحات قيصر مقداد
يضاعف الفنان "قيصر مقداد" (Kaissar Mokdad) الحركة التعبيرية في رسوماته، ليمنحها صوراً بأبعاد جمالية تؤدي رسالته التي تحملها لوحاته المعتمدة على الإثارة والتشويق، لحدث شطرنجي تتآكل الإنسانية معه من الطفل السوري إلى الغرف، فخيمات اللجوء والانعكاس الفني المترجم لكل ذلك بأسلوب تشكيلي التزم فيه "قيصر مقداد" لتكوين حالة جذرية من الاختلافات، بصياغة رمزية كثفها بتعبير مضمخ بالحروب التي لا تبقي على حجر أو بشر، وبسرابية تتضح منها المعاناة التي تختلط معها شتى الألوان من عذابات أو حب أو قبح أو جمال! دون أن ينسى مفاتيح اللوحة الإنسانية بكل معانيها الموحية لربيع ليس بفصل من فصول السنة يعيد دورة الحياة إلى الكون، فمسيرة المظلومين في إيحاءات امرأة أدارت ظهرها للمكان متجهة نحو المصير المجهول، وبغموض لا ينفصل عنه المقداد، ولا عن الطفل العربي، إن السوري أو اليمني أو سواه. فهل من أدوات شطرنجية في ريشة وألوان ومساحة اللوحة؟
صعوبات حياتية يجسدها المقداد بخربشات تميل إلى خلق رؤية تخلع على التهجير والارتحال ثوباً فنياً هو الاستقطاب الحسي لأحاسيس تجمع بين الاستنكار والقبول. فالواقع المنهار هو صور تنمو من بعضها البعض، لتجمع في مساحة الأحداث الموجعة أو المعضلة الحقيقية في جزئيات الحياة بشكل عام تماماً، كما الألوان التي يقمشها لو يحفها بشفافية تميل إلى الباهت الفاتح في بعض منها مع الترميز الذي يعتمده في بعض الخطوط المقفولة بصرياً، بمعنى يحدد الهدف أو الإشارات، لتكون رسالته مفتوحة إنسانياً على الأحداث التي تسيء للإنسان والحيوان، وللطبيعة من حوله حيث تشكل موجات الألوان قوة لضعف إنساني يجسده في تقاطعات هي حكايات الحرب والبطش والدمار، والتهجير بتنافر بين الأضداد نفسها، فرغم سهولة الخربشات، إلا أنها معقدة في اتجاهاتها الفكرية حيث الانتماء للمساحة، وتأهيلها لتكون المسكن لشخوصه الصغيرة والكبيرة والظاهرة والمستترة، وإن ضمن التعبير برمزيات فوضوية الأبعاد. فهل شطرنجية أعماله هذه المرافقة للمقال هي انسلاخ أم انتماء لبوصلة يضعها أمام المتلقي ليستكشف تحديات البقاء عند الكائنات بشكل عام وعند الإنسان بشكل خاص؟
يتحرر الفنان «قيصر مقداد» من حدود اللون. فيجفف بعض جزئيات المساحات التي يؤطرها بنتائج الصراعات التي تؤدي إلى خلق خطوط متشابكة متقطعة متصلة ضمن سرد بصري يمثل دراما فنية تؤرخ لمرحلة التهجير والخراب والحرب، وتأثيرها على جغرافيا المناطق التي تدمرت وخضعت لمؤثرات الحروب النابعة من الفراغ أو الموت أو كل ما يسبب الارتحال الدائم. لهذا نجد في لوحات الفنان "قيصر مقداد" خلفيات تعتمد على إظهار الإنسان من الخلف متجهاً نحو الأمام مع الريشة المغمسة بضبابية رمادية تميل إلى الأبيض أحياناً وأحياناً أخرى إلى الشحوب الضوئي، وإن ازداد الأبيض والأحمر في لوحاته هذه التي يجعلها مقصوفة هي الأخرى أو متعبة من نتائج حرب ينسجها مع مربعات خاصة، لتسليط الضوء على المؤثرات والنتائج لأسباب تمت من يد الإنسان، أي بتعقيد لا يمكن إدراكه في لحظة فجائية وإنما يمكن تحليله في لوحات تشكيلية. فهل يتخذ من سيولة الألوان اتجاهاته التعبيرية الموحية بالألم؟
ما بين الأبيض والأحمر نغمات هي فسحات بصرية ذات إيقاعات تميل إلى موسيقى اللون، وجمالية التفاصيل، كأنها معزوفات بصرية يلتقطها الرائي بجمالية تعيد المعاناة درامياً وتشكيلياً، كأنه يؤرخها لتكون رسالة بصرية ذات مصداقية وجدانية نابعة من الحقائق الواقعية، ولكن بتعبير يوحي بالكثير من رمزية سبهها الحروب التي طمسها بإظهار التهجير والجغرافيا المكانية.
أعمال الفنان “قيصر مقداد (Kaissar Mokdad)” من مجموعة متحف فرحات
ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
تم نشره في جريدة المدى العراق عام 2019