الانتقاد الفني التشكيلي باللون والشكل والمعنى

ضحى عبدالرؤوف المل

لا تتوقف المعاني البيئية والاجتماعية في أعمال الفنان “حسين حسين (Hussein Hussein)” من الانتقاد الفني التشكيلي باللون والشكل والمعنى إلى السلوك الاجتماعي الذي يرصد الأخطاء الحياتية المرتبطة بالبيئة أولًا، ومن ثم كل ما يتعلق بأسلوب الحياة، ممهِّدًا لرسم العلاقات بين الإنسان وبيئته المشبعة بالأخطاء، والمؤثرة بصريًا على الذوق وسلامة الوجود. إذ يمكننا رؤية الألوان المتفرقة، وبرمزية الانتماءات العشوائية، كما يمكننا رؤية النفايات والأعلام الملوّنة والبؤس، وبتقميش لوني هو جزء من التبطين الذي ينتهجه حسين في رسوماته الميّالة إلى التجاوز عن المألوف، والمقترن بدقة الملاحظة وقوة النقد البيئي المعتمد على الفن التشكيلي وأهدافه الجمالية التي ينتزع من خلالها أقنعة الجمال، ليضعها مع المعاني في أسلوب واقعي مغطّى بسخرية بصرية حدّدها بدقة في التفاصيل المتعلقة بالحواس عامة، وبالبصر خاصة، لتكوين رسالة فنية تهدف إلى انتزاع الإشكاليات، وعرضها بقوة في لوحة هي تصوير انتقادي للحالات الاجتماعية المؤدية إلى فساد البيئة أو مؤثراتها الممتدة إلى الإنسان الذي اعتاد على كل شيء من حوله حتى عمود النور الكهربائي الذي يضيء في النهار، رغم فقدان الكهرباء في البيوت. فهل يحاول الفنان "حسين حسين" الاهتمام بالنُّظم البيئية عبر مفارقات بصرية أو إظهار الفروقات بدقة ملاحظة موصوفة لونيًا بالبا هت والغموض والمجتمع المتعايش مع كل الأخطاء البيئية التي رسمها وفق تناقضات واضحة المسارات، ومن شأنها التقاط الأخطاء في الطبيعة من حولنا ووضعها تحت أسئلة عديدة، أولها: أين الطبيعة التي تغنّى بها الأدباء والشعراء؟

يمثّل مفهوم الانتقاد البيئي أهدافًا قوية في أعمال الفنان حسين حسين. إذ تحقق الصدمة البصرية اكتشاف نقاط الضعف البشرية في محيط العيش العام، متسائلًا: هل اكتشاف الإنسان لإنسانيته يحتاج إلى لوحات بصرية تُظهر الأخطاء والأخطار؟ أم أن الفن هو جمال اعتمد عليه في تقميش الألوان وطمسها رغم إظهار الواقع الحياتي المُرّ؟ لندرك أن الريشة أُصيبت بدقة الملاحظة وانسابت مع الجمال اللوني غير المُدرك لخاصيته الأساسية، وأن ضمن النقد البيئي الذي انتهجه في رسوماته وجماليتها من حيث المضمون والأسلوب، فبناء اللوحة اعتمد على رصد الحالات الاجتماعية في بيئة تعاني من سلبيات لا تشعر بها، لأنها أصبحت ترافق الإنسان في يومياته من النفايات إلى الكهرباء وصولًا إلى اللوحات الإعلانية ومساوئ وجودها بصريًا قبل أي شيء آخر، لمنح حسّ الرائي قوة ملاحظة للشعور بما يحدث من حوله أو لخلق يقظة بصرية تهدف إلى التقاط العلل وتصحيحها قبل فوات الأوان. فهل الألوان التي تُصيب النفس بزهو هي ذاتها التي تضعنا أمام الأخطاء البيئية في الحياة؟ أم أن رسوماته هي كشف جمالي لسلبيات المشهد اليومي لمواطن في وطن ما؟

يَصدم الفنان "حسين حسين" المتلقي لتحفيزه بصريًا على فهم البيئة من حوله. إذ يعتاد الإنسان على العيش داخل بيئته المليئة بالمشوّهات دون الإحساس بذلك، مما يجعله يتآخى مع المشكلات، لأنه يتعايش معها داخليًا دون أن يطرح الأسئلة التي أراد لها حسين أن يراها المتلقي ويدرك مدى أخطارها بألوان باهتة رغم أنها صارخة. إذ يعتمد على تخفيف تدرجات الألوان بتعتيق يبدو أنها أضغاث أحلام وهي حقائق يدمجها مع الألوان وبتقطيع في التفاصيل كأنها رؤية ضبابية لرسام يرصد أخطاء المجتمع من حوله بريشة بيئية تبحث عن الزهور والأشجار والعصافير، فلا تجد سوى تأوهات بيئة تصرخ من ريشة فنان يُظهر الشوائب مستثيرًا الحواس التي تتعاطف مع لوحاته هذه، فهل يمكن محو الأخطاء البيئية في لوحات معاكسة للواقع الذي رسمه لنا؟

أعمال الفنان "حسين حسين" (Hussein Hussein) من مجموعة متحف فرحات

ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

تم نشره عام 2019 في جريدة المدى