الضوء من خلال اللون الأبيض وفق أحادية خاصة
ضحى عبدالرؤوف المل
تعكس لوحات الفنانة "ساكار سليمان" (Sakar Sleman) الضوء من خلال اللون الأبيض، وفق أحادية خاصة تفصلها عن الأسود، لتصبح رسوماتها تلخيصية للألوان بمجملها، وبرمزية تشير بها إلى أهمية الأسود عند المرأة العراقية تحديدًا، وبما يكفي لتكوين المعنى المتميز بالكتل السوداء وقياسه المنفصل عن الأبيض، وبوتيرة عالية تشير من خلالها إلى مضامين قوية مرتبطة باللون الأسود والأضداد المتعلقة به. إضافة إلى التعاسة وفقدان الأمل واليأس والانزواء والتوحد مع الذات، والزي العراقي الخاص بالمرأة، والذي من خلاله ترمز إلى قضاياها العالقة من التراث إلى الزمن المعاصر، وبأساليب تختلف في لوحاتها من المكان إلى الزمن الضائع في متاهات الأبيض البصرية ورمزيته التي تميل إلى الخير. إذ تبدو تلطيخات الأسود الكثيف على القماش الأبيض مثيرة من حيث ابتعادها عن إغواء الألوان الأخرى، والتفرد الأسود الذي يبدو طاغيًا على المساحات.
إلا أن للّأبيض دوره الكبير في إبراز المعاني البصرية المبطنة، لتمنح الأسود المنطق الفني التشكيلي وأسبابه المزيلة للفرح، والتباهي، والنقاء، والانتصار، وما إلى ذلك من مفردات فنية تشكيلية تترجمها بالتكتلات والخربشات، والرسومات ذات المفارقات البارزة بين الأبيض والأسود. فهل ترسم الفنانة "ساكار سليمان" بالأسود تاركة للأبيض أحادية أخرى؟ أم تمزجهما معًا ليتصارع كل منهما كما يتصارع الأبيض والأسود في الحياة؟ وهل تعطي للمرأة العراقية دورها في لوحات هي جزء من الألم والحزن وكل ما هو ناتج عن معاكسات وجودية لم تجد لها الأجوبة المناسبة؟ وهل الأسود هو الإنسان المتعب في كل مكان؟
تلعب الفنانة "ساكار سليمان" على قيمة التباين من خلال إبراز الأسود، ليغطي الأبيض الذي تحجزه وفق رؤيتها الفنية في قماشة اللوحة أو الخامة التي تستخدمها، سواء في التركيب أو الرسم، لتبدو الكتلة اللونية السوداء أكثر إشراقًا وسماكة أحيانًا، للحفاظ على قيمة الأبيض لصالح الأسود من خلال التباين، وبتجلي شفاف ناتج عن الظلال أو عن رشقات الأسود على الأبيض وانعكاساته الضوئية. ليصبح الأسود أكثر ظلامية وشديد المعنى والإغراء البصري، فحساسية الأسود تبدأ من الشفافية إلى السماكة والتلطيخ. وهذا يتطلب مرونة الرؤية وفهمها من حيث انعكاس الضوء من خلال الأسود بخلاف ما يعتقده الرائي أو المتأمل لعمق لوحاتها. فهل تحاول إخفاء الزوايا السوداء الأخرى من خلال اللون نفسه؟
استغلال الأسود يرمز إلى استغلال المرأة، والمشاعر المتعلقة بكل تلك المعاني المرتبطة بالحزن في لوحات هي تنديد لأمكنة غابت في الأبيض الذي طمس المكان، وترك للمرأة وللأشياء الأخرى التي ترمز لها المعنى الإنساني، وبتصورات مختلفة لتعزيز الحجم والطول والعرض، والخطوط اللونية القصيرة والطويلة. لتؤكد على كافة الاحتمالات التي يلخصها الأسود في المربعات والمستطيلات أو الدوائر أو حتى تلك المتعرجة وغير المتناسبة، أي تفتقد للشكل الواضح أو الشكل المفهوم تشكيليًا، وبغموض تلتف من خلاله على الأبيض، لتوحي بهمجية الزمن على الكائنات وقيمة الرمز في التعبير عن ما يصعب البوح به بشكل مباشر. فهل تخفي في طيات رسوماتها قضايا أخرى؟
تحرر الفنانة ساكار لوحاتها من القيود، تاركة تفاصيلها في تجريد هو تعبير رمزي عن خلفيات تبغضها. إذ ليس من شكل أساسي تضعه كهدف أمامها، إنما تندفع نحو المعنى من خلال اللون، فيتجسد الشكل بغموضه ليصبح الثقب الأحادي المحتاج لمفتاح هو بصر المتلقي، وبديناميكية فلسفية جمعت فيها صراع الخير والشر مع الأبيض والأسود، وما يحمله كل منهما من تمثيل للمشاعر والعواطف وبوجدانية الخوف والحزن والانفعالات العاطفية وسلبيات المواقف المؤدية إلى التشتت والموت. فهل تبحث ساكار عن ما لا ندركه من خلال الأبيض والأسود؟
أعمال الفنانة "ساكار سليمان" (Sakar Sleman) من مجموعة متحف فرحات
ضحى عبدالرؤوف المل
تم نشره عام 2019 في جريدة المدى العراق