فوز فيلم ( Adrift) للمخرج كاليب بوردو في مهرجان طرابلس للأفلام

ضحى عبدالرؤوف المل

طرابلس: تشبع العين من كل مشهد فتحه المخرج “كاليب بوردو” caleb burdeau على زوايا الطبيعة، وبعدسة تجبرك على متابعة التأملات التي يفرضها على المشاهد بصريا في فيلمه ( Adrift) حيث يمكن لكل صورة فيه ان تتحول فوتوغرافيا إلى عمل فني يتفرد به، وفق التقنية التصويرية التي التزم بها في هذا الفيلم الذي يحكي قصة المصور الفوتوغرافي “الفيس” وهو شاب يعيش في روما يلتقط الصور للسياح مستخدما كاميرته البولارويد، واثناء ذلك يلتقي “برودولفو صدفة في فينسيا ، ويلتقط له صورا، فيترك له عنوانه في قريته في بوليا ليزوره يوما ما ، ثم يتعرض بعد ذلك للسرقة ، فيقرر زيارة رودولفوا في مزرعته ضمن رحلة مع كاميرته الى بوليا تلك الارض المتنوعة، والغنية بالمناظر الطبيعية المحرضة على الاسترخاء والاستمتاع حتى للمشاهد المتابع لكل مشهد صامت لالفيس وهو يلتقط الصور، ويكتشف الأماكن التي يزورها اثناء رحلته. فهل لعبت الموسيقى التصويرية ايضا دورها في هذا الفيلم؟

يعتمد الفيلم على الحوارات البصرية التي تحاكي الحروب في العالم تلك التي تتسبب بتهجير القرى وانتزاع الجمال منها. اذ يركز كاليب على المناظر الجميلة في ريف بوليا تلك القرية التي ما زال اهلها يحتفظون بالبيوت الحجرية والطينية، وما زالت أراضيهم تزرع بالزيتون وتمتلئ بالمراعي رغم الحضارة القائمة في المدن الأخرى، وما زالت التنقلات فيها تعتمد على السيارات القديمة او على آلة الفلاحة، كما القرى ايام زمان. فالكثير من اصحابها هجروها بعد الحرب. لتبقى البيوت كالنصب التذكارية في الساحات وتبقى الذكريات في رأس رودولفو تجعله يعيش على أطراف عمره مع امه وابيه، معتمدين على الزمن لإخراجه بصبر من حالته التي يتخبط فيها، ولكن لقاء الفيس برودولفو في ريف بوليا يضعنا امام مصور فوتوغرافي انعكاسي لرودولفوا، وهو المخرج نفسه الذي جعل من كل لقطة في المشهد صورة أثرية لريف بوليا ولفينسيا قبل ذلك ، من المراعي الى الفلاحة الى بيت رودولفو القديم ونكهته التي تجعل افراده في حياة قروية ممتعة جدا لالفيس، ومع ذلك يقرر الرحيل للاحتفاظ بذكريات جميلة واخرى قابعة في الذاكرة لا يمكن محوها او التقاطها في صور ،هي شريط ذكريات معاكس بصريا للجمال الذي لمسناه في هذا الفيلم المبني بصريا على الطبيعة وجمالها، والإنسان وحركته. ايضا على الإرادة في استكمال الحياة من خلال عدسة او كاميرا في يد الفيس ذلك المصور الذي هو بمثابة عين المخرج على المكان. فهل استطاع كاليب اختصار الزمن في مشهد؟ ام اعتمد بصريا وسمعيا على الحوارات الحسية التي استطاعت ان تصل بسلاسة الى المشاهد؟

مزج المخرج “كاليب بوردو” التفكير البصري في التصوير السينمائي لاستخراج المعنى الحسي بعمق إنساني يستشعر من خلاله قيمة المكان بالنسبة للإنسان، والتصاقه به رغم من غادروه ، ليبقى رودولفو هو العامل النفسي في الفيلم الذي يتنفس من خلاله رودولفو، وهي الصورة الفوتوغرافية وقيمتها في الاحتفاظ بالذكريات عبر التاريخ رغم وجود الاماكن المهجورة التي تروي قصص من هجروها معتمداً على التصوير الخارجي نهاراً اكثر من الليلي، والداخلي لتبقى المشاهد متحررة من الحدود او حدود الصورة نفسها ، ولتتنوع اللحظات كما الفصول أي الدفء والبرد، واظهار التغييرات بين بلد وبلد محافظا على المسائل البصرية للمكان وبفلسفة تصويرية هي أمر حسي بحت خاصة ، كما ان الموسيقى التصويرية انسجمت بين المرئي والمسموع بهدف تعزيز فهم الصورة او الحوار البصري الهادئ الذي اختزل الكثير من الحوارات الاخرى .

تم نشره عام 2019 في جريدة القدس

https://www.alquds.co.uk/%D9%81%D9%88%D8%B2-%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%85-adrift-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%B1%D8%AC-%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A8-%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AF%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%87%D8%B1%D8%AC%D8%A7/

Doha El Mol