د. طارق شمس لـ «اللــواء»: الأمم لا تستنهض إلا بسواعد رجالها وعقول مفكّريها

حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل

سلّط الدكتور «طارق أحمد شمس» الضوء في كتابه «الشرق على طريق الحرير» الصادر عن دار الفارابي أكثر على الصين وتاريخها المملوء بالأعاجيب. انها دولة معروفة منذ آلاف السنين شهدت تقدّما اقتصاديا وتطوّرا سكانيا مميّزا.. حتى انها كانت شرق العالم كما كانت الامبراطورية الرومانية غرب العالم.. والعلاقة بين هذين الجبّارين ملفتة للنظر.. كما سر صناعة الحرير وتربية دودة القز.. وسر التطوّر السريع رغم الصراعات العديدة وكثرة الامبراطوريات والأسر الحاكمة التي حكمت الصين.. إلا ان هذه البلاد هي سحر الشرق كما وسط آسيا وان كانت الصين في عصورها الوسطى كانت أكثر تقدّما ورقيّا.. انهم صانعو البارود والورق ومن الصين ظهر البهار حيث كان كيس بهار يساوي كيسا من الذهب ومن عندهم ظهر الملح.. وما مشروع الحزام والطريق الذي أطلقه الرئيس الصيني منذ 2017 إلا إعادة لإحياء طريق الحرير القديم.

ومعه كان هذا الحوار وهو أستاذ في التاريخ الوسيط متعاقد من 10 سنوات مع الجامعة اللبنانية.

_ الشرق على طريق الحرير» لماذا هذه الدراسة الآن وما الهدف منها؟

سبب هذه الدراسة يعود الى رغبة شخصية مني في الإطلاع على تاريخ طريق الحرير الذي ربط الصين بالعالم برا وبحرا.. وقد بدأ شغفي بهذا الموضوع منذ حوالى 7 سنوات تقريبا عندما طُلب مني تعليم مادة التاريخ في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية في زحلة.. يومها تعبت كثيرا وأنا أبحث في هذه المادة وكان لدينا حينها اجتماع في عمادة كلية الآداب حيث ظهر أيضا بأن الزملاء يعانون كثيرا في العثور على المعلومات المطلوبة حول طريق الحرير.. لقد أحببت كثيرا هذا العنوان «طريق الحرير» الذي نقلني الى مدن الصين خلال العصور الوسطى مع التجار العرب ومن خلال مراكبهم التي سارت على مياه البحر الأحمر والخليج العربي فالمحيط الهندي مرورا بالجزر المتناثرة هنا وهناك والموانئ في هذه المملكة وتلك الإمارة وصولا الى ميناء كانتون الصيني.. كما ألهمتني صحراء غوبي في شمال الصين ومدنها التي ارتبطت بخط طريق الحرير البري عبر وسط آسيا الرائع الى بلاد فارس فالعراق وأنهاره دجلة والفرات فدمشق وتدمر وحلب وانطاكية.. فالبتراء التي زرتها لأراقب مباشرة ممرّاتها... وسيصدر لي كتاب قريبا تكملة لكتاب طريق الحرير أعطيته عنوان «الشرق على طريق البحر الأحمر» حيث سأتوسّع في شرح أهمية هذه الطريق من خلال موانئ البحر الأحمر..

_ سلّطت الضوء أكثر على الصين التي تحوّلت الى أهم دول العالم اقتصاديا وتكنولوجيا لماذا؟

لصين في تاريخها مليئة بالأعاجيب انها دولة معروفة منذ آلاف السنين شهدت تقدّما اقتصاديا وتطوّرا سكانيا مميّزا.. حتى انها كانت شرق العالم كما كانت الامبراطورية الرومانية غرب العالم.. والعلاقة بين هذين الجبّارين ملفتة للنظر.. كما سر صناعة الحرير وتربية دودة القز.. وسر التطوّر السريع رغم الصراعات العديدة وكثرة الامبراطوريات والأسر الحاكمة التي حكمت الصين.. إلا ان هذه البلاد هي سحر الشرق كما وسط آسيا وان كانت الصين في عصورها الوسطى كانت أكثر تقدّما ورقيّا.

_ هل تتوقع خروج أنظمة أخرى الى الحياة مستقبلا؟ وأين لبنان من الشرق على طريق الحرير؟

- في عصرنا هذا هنالك أنظمة تخرج الى العالم كألمانيا واليابان ودول نمور آسيا ومنها الهند.. إلا انها لن تستطيع أن تتحدّى التنين الصيني أبدا ولن تصل الى مرتبته أبدا.. فالصين قطعت أشواطا طويلة.. قد تربح ألمانيا في صناعة بعض من التكنولوجيا وفي قدرات تعليمها العالي التي سبقت حتى الولايات المتحدة وباقي أوروبا إلا ان ماكينة الصناعة والإبداع الصيني ستبقى هي الأقوى.. والعقل الصيني لن يتفوّق عليه أحد فهو ذو علامة مميّزة.. أما لبنان في هذا العالم المتقدّم في تكنولوجياته وعقوله فهو: بلد الطائفية التي هجرت عقول أبنائه وبلد الصراعات على تقاسم الجبنة بين بعض الساسة على حساب سواعد شبابه الذين يهربون أو هم بلا عمل لأن أحدهم لا يفهم إلا طائفيا ومناطقيا فيمنع حتى الناجحين في مجلس الخدمة من التوظيف.. والأصعب من ذلك عندما يتم اختيار الموظف بالواسطة وليس بالكفاءة.. فأين لبنان الذي 70 بالمائة من أساتذة جامعته الوطنية متعاقدين بالساعة يقبضون أتعابهم أحيانا كثيرة كل عامين؟.. وأين لبنان بشوارعه وطرقاته التي هي عبارة عن سجون للسيارات وراكبيها؟.. وأين لبنان هذا إذا كان مجرّد جسر للمشاة ممنوع على طلاب الفرع الرابع في الجامعة اللبنانية فيتركونهم ليموتوا صدما على الأوتوستراد؟.. لبنان هو لا شيء أمام العالم رغم ان أبنائه إذا أعطوا الفرصة يبدعون وينتجون ويتحدّون أكبر عقول العالم إلا ان سجّانيهم في هذا الوطن لا يريدون منهم سوى أزلام وأسرى..

في العصر الحالي نجد ان المنطقة الممتدة بين بلاد فارس وإسرائيل هي مجرد كيانات مهشّمة محطمة.. بعد سقوط الامبراطورية العثمانية وللأسف بمساعدة ما عرف بالثورة العربية دخلنا في القومية التي فشلت وسقطت مع الحرب العالمية الثانية لندخل في القطرية التي سقطت ما يسمّى بالربيع العربي لندخل اليوم في فوضى خلّاقة كانت أم غير خلّاقة.. فهذا العالم بين فارس وإسرائيل لا تظهر عليه علامات النهوض الاقتصادي والثقافي والعلمي.. يفتخر رئيس وزراء العدو الإسرائيلي نتانياهو ان إسرائيل دفعت 5 مليارات دولار على العقل عام 2015 وهي اليوم تدفع 15 مليار دولار منذ عام 2018 على العقل.. نحن ماذا ندفع على العقل؟ هذا يظهر لنا بان مستقبل هذا الكيان بين فارس وإسرائيل في المنظور القريب لا عقل له.

- طريق الحرير اللائق بالقرن الواحد والعشرين وإحياء العلاقات القديمة ألا يدفعنا هذا الى التفكير أين نحن على خارطة كل هذا؟

طريق الحرير في القرن الواحد والعشرين تخطّى المنطقة بين فارس وإسرائيل انه يظهر بوضوح في وسط آسيا وتركيا وإسرائيل ومصر فإلى أوروبا والداخل الأفريقي حيث الصراعات بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين للسيطرة على أسواق أفريقيا وممرّاتها.. انه العالم المستقبلي الذي سنشاهده من خلال المشاريع الاقتصادية الهائلة والضخمة والممرات المائية والبرية التي ستكلّف مئات المليارات ومن يتتبّع خطة الحزام والطريق سيلاحظ ذلك..

- انه العالم الجديد الذي صنعه العقل الصيني منذ العصور القديمة وهل تلمّح الى العصر الحالي وإمكانية ذلك؟

- العالم الذي صنعته الصين في تاريخها القديم والوسيط هو العالم الذي دفعت ثمنه غاليا من خلال حرب الأفيون والاستعمار الغربي.. هو عالم يتجدّد اليوم ويكتمل مع مشروع الحزام والطريق.. لقد أبدع الرئيس الصيني الحالي في مشروعه هذا حيث أراد استخراج العولمة الصينية من عصورها الذهبية والتي سبقت العولمة الأميركية بكثير.. ليصنع عولمة جديدة مبنية على ثقافة هي مزيج من ثقافة الصين الشيوعية والتي تخطّاها العقل الصيني الحديث ليصل الى ثقافة كونفوشيوس وفلسفته التي تركّز على الاستقلال العقلاني الذاتي وتطوّر الحكمة وأسلوب التساؤل والتحليل وانشطة التأمّل ومحاسبة الذات.. وهو أساس تطوّر الصين الحالي.. انه الحفاظ على الموروث والتاريخ مع التجدّد ليبقى الإنسان الصيني مرتبطا بأصوله وتاريخه ولا ينجرف نحو العولمة الغربية.. انه التاريخ الذي يبني الإنسان والدول ومستقبل الشعوب وهذا ما فقدناه منذ سايكس بيكو وقيام كيان إسرائيل 1948 وهزيمة 67 والهزائم المتتالية.. وحتى بعد الحروب اللبنانية ضد العدو لم نستنهض العقل بل الغريزة وهو أخطر أشكال الانهزامية عبر التاريخ.. فالأمم لا تستنهض إلا بسواعد رجالها وعقول مفكّريها معا.

Doha El Mol

dohamol@hotmail.com

https://aliwaa.com.lb/%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9/%d8%af-%d8%b7%d8%a7%d8%b1%d9%82-%d8%b4%d9%85%d8%b3-%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84-%d9%88%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%85-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%b3%d8%aa%d9%86%d9%87%d8%b6-%d8%a5%d9%84%d8%a7-%d8%a8%d8%b3%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d8%b1%d8%ac%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%a7-%d9%88%d8%b9%d9%82%d9%88%d9%84-%d9%85%d9%81%d9%83-%d8%b1%d9%8a%d9%87%d8%a7/

في تحليل عميق للحوار، لا بوصفه مادة صحفية فحسب، بل كنص فكري–سياسي–تاريخي يعكس رؤية للعالم وللذات العربية في لحظة انكسار حضاري نلمس :

أولًا: البنية الفكرية للحوار

الحوار لا يقوم على سؤال وجواب تقليدي، بل على ثلاث طبقات متداخلة: الطبقة التاريخية: حيث يُستعاد طريق الحرير بوصفه بنية حضارية طويلة الأمد، لا مجرد مسار تجاري. التاريخ هنا ليس سردًا للماضي، بل أداة تفسير للحاضر واستشراف للمستقبل. الطبقة الجيوسياسية المعاصرة: ينتقل شمس من التاريخ الوسيط إلى مشروع «الحزام والطريق» باعتباره استمرارية واعية للتاريخ الصيني، لا قطيعة معه. الطبقة النقدية–الوجودية العربية وهي الأعمق والأكثر حدة، إذ يتحول الحوار إلى محاكمة للعقل العربي المعاصر، وللدولة الوطنية العربية، وخصوصًا الحالة اللبنانية.

هذا التراكب يمنح النص كثافة فكرية تتجاوز كونه حوارًا صحفيًا إلى كونه بيانًا حضاريًا غير معلن.

ثانيًا: طريق الحرير كاستعارة حضارية ، طريق الحرير في خطاب شمس ليس طريقًا ماديًا فقط، بل، شبكة تبادل معرفي، ذاكرة كونية نموذج للعولمة قبل العولمة الغربية، الصين لم تكن «تابعًا» في النظام العالمي القديم، بل مركز إنتاج للمعرفة والتقنية، الحرير، الورق، البارود، البهارات… ليست سلعًا، بل أدوات لإعادة تشكيل العالم.

بهذا ينجح الحوار في تفكيك المركزية الأوروبية عبر إظهار أن العولمة الغربية جاءت متأخرة، ومبنية جزئيًا على منجزات الشرق.

ثالثًا: الصين بوصفها نموذجًا للنهضة المتصلةالنقطة الجوهرية في رؤية شمس هي أن النهضة الصينية ليست طفرة، بل تراكمًا:

لم تُلغِ الصين تراثها الفلسفي (كونفوشيوس) ولم تنفصل عن ذاكرتها التاريخية ولم تبتلعها العولمة الغربية فالصين، في هذا الخطاب، تمثل نموذج الدولة التي حدّثت ذاتها دون أن تفقد روحها، وهو نقيض النموذج العربي الذي: فقد تاريخه وفشل في تحديث دولته ، ولم يُنتج مشروعًا حضاريًا بديلاً.

رابعًا: النقد السياسي العربي – من الدولة إلى الكيان

الجزء الأكثر حدة في الحوار هو الانتقال من التحليل العالمي إلى التشريح العربي، حيث يستخدم شمس لغة قاسية لكنها واعية: الطائفية بوصفها نظام تعطيل للعقل،الواسطة بدل الكفاءة كنمط حكم، الجامعة الوطنية كنموذج لانهيار الدولة، لبنان هنا ليس حالة استثنائية، بل مرآة مكثفة للانهيار العربي العام.الأخطر في هذا النقد أنه لا يتهم الخارج فقط، بل: يحمّل النخب المحلية مسؤولية القمع الرمزي للعقل يرى أن الهجرة ليست صدفة بل نتيجة بنيوية خامسًا: الجغرافيا السياسية الجديدة وطرد المنطقة العربية

في تحليل شمس، طريق الحرير الجديد: يتجاوز المنطقة الممتدة بين فارس وإسرائيل ولا يعوّل عليها كمركز إنتاج بل يكتفي باستخدام أطرافها كممرات أو نقاط أمنيةهذا التحليل يضع العالم العربي خارج التاريخ الفاعل، داخل زمن معلّق:لا حرب تحرر ولا مشروع نهضة ولا اقتصاد معرفة وهو توصيف بالغ القسوة لكنه واقعي ضمن منطق النص.

سادسًا: العقل مقابل الغريزة ، الذروة الفكرية للحوار تأتي في المقابلة بين:العقل الصيني: استثمار، تعليم، فلسفة، تراكم ، الغريزة العربية: ردود فعل، انفعال، تعبئة عاطفية، حين يقول شمس إننا «استنهضنا الغريزة بدل العقل»، فهو: لا ينتقد المقاومة أو الصراع بحد ذاته ، بل ينتقد غياب المشروع المعرفي المصاحب له

وهنا تصبح العبارة الختامية: الأمم لا تستنهض إلا بسواعد رجالها وعقول مفكّريها معًا ، ليست شعارًا، بل خلاصة فلسفية للتاريخ كله.

سابعًا: قيمة الحوار ثقافيًا

أهمية هذا الحوار تكمن في أنه: يعيد ربط التاريخ بالسياسة المعاصرة ويطرح الصين كمرآة نقدية للذات العربية كما يرفض التفسير التآمري السهل ويطالب بإعادة الاعتبار للعقل بوصفه رأس المال الأول إنه حوار لا يقدّم أجوبة مريحة، بل أسئلة موجعة، وهذا ما يمنحه قيمته الفكرية.

هذا الحوار ليس عن الصين فقط، ولا عن طريق الحرير فقط، بل عن سؤال النهضة المؤجَّل في العالم العربي، وعن الفرق بين أمة صنعت تاريخها ثم أعادت تدويره، وأمة ضيّعت تاريخها ثم راحت تبحث عن خلاص خارج ذاتها.

.