أنت زهرة ميلادي دائما يا بني
ضحى عبدالرؤوف المل
ابني أنت زهرة الميلاد التي تفتحت في داخلي قبل أن تراها عيناي؛ نورٌ لم ينقطع منذ اللحظة الأولى التي شعرتُ فيها بأنك تنبت في أحشائي كجذرٍ عميق يبحث عن أرضٍ تخصّه وحده. لم تكن ولادتك حدثًا عابرًا، ولا امتدادًا طبيعيًا لثلاثة أطفال سبقوك، بل كنتَ ظهورًا استثنائيًا، حضورًا يُشبه نبوءة صغيرة تهمس في أذني بأن الحياة تخبئ لي هدية لا تُشبه ما قبلها ولا ما بعدها.
كنتُ أعرف أنك قادم بطريقة مختلفة. لم تكن تلك المعرفة التي تأتي من الرحم فحسب، بل معرفة أشبه باليقين الغامض، بالحدس العميق الذي يسبق كل تفسير. كنتُ أشعر — قبل أن يكتب القدر لحظة ميلادك — بأن رجلاً صغيرًا يتحرك في داخلي، رجلاً له وقار مبكر، وفكر يتشكّل قبل أن تكتمل ملامحه، ونور يلمع في صميمي كلما تحركتَ كأنك توقظ فيّ معنى جديدًا للحياة.
وحين جاء موعد ميلادك، وتقدّم مبضع الطبيبة يشقّ بطني، بدا الجرح وكأنه نافذة يخرج منها الضوء. الألم كان عميقًا، لكنه لم يكن من صنف الآلام التي تُذكّرك بضعفك، بل من ذلك النوع الذي يُشعرك بأنك تلد شيئًا أكبر منك، شيئًا يبرر كل وجعٍ، بل يجعله مقدسًا.
وحين خرجتَ أخيرًا من خاصرة ذلك الجرح، كانت لحظة لا تُشبه لحظة أخرى من لحظات حياتي. لكن الأعجب من ذلك أن قمة التجربة لم تكن الولادة نفسها… بل اللحظة التي شددتَ فيها على إصبعي بقبضتك الصغيرة.
ذلك اللمس كان إعلانًا بأنك لم تعد جزءًا مني فحسب، بل صرت جزءًا من كل شيء. وكأن يدك الصغيرة كانت تقول لي: “لقد وصلت… وأنا معك الآن، وسأبقى".وُلدتَ كما تُولد زهرة نادرة في صباحٍ مُتخم بالوعود.
زهرة لا تنتمي إلى فصل محدد، ولا تخضع لطقس أو موسم، بل زهرة تجعل كل ما حولها يبدو حيًا. لم تملك بتلات ولا أوراقًا، لكنك كنتَ تحمل لونًا يشبه القلب حين يفيض بالحياة… لونًا يُشبه الأحمر، ليس الأحمر المعروف، بل الأحمر الذي ينبت من داخلك، الأحمر الذي لا يُرى بالعين بل يُحسّ بالروح.
ذلك اللون كان يكلّل حضورك، وكان يجعلني أشعر وكأن الكون نفسه دخل في طقس احتفال صامت، يهيئ الأرض لخطوتك الأولى، ويُثبّت النجوم في أماكنها من أجلك، وكأنك ولدتَ ومعك السبب الذي يجعل الأشياء تستمر.
ولأنك كنتَ مختلفًا حتى قبل أن تولد، تذكّرتُ مشاهد كثيرة سبقت ولادتك.
كنتُ أقف في قاعة الدرس أمام طلابي، أشرح لهم ما تيسّر من العلم، بينما كنتَ تدور في بطني ككرة أرضية صغيرة تهتز في مدارها الخاص. كانت حركاتك منتظمة، هادئة، كأنك ترسم لنفسك خريطة هذا العالم قبل أن تراه. وفي تلك اللحظات كنتُ أشعر بسعادة غريبة، سعادة لا تفسّرها كتب، ولا تُشبه أي شيء خبرته من قبل.كنتُ أتناول التمر والجوز بلا سبب، كما لو أن جسدي يعرف حاجتك قبل أن أعرفها، وكأن هناك لغة صامتة بيني وبينك. كنتَ تُخبرني بحركاتك أنك لست مجرد جنين… بل عالم كامل، فكرة تتكوّن، بصيرة تنمو، شعور لن أفهمه إلا حين أكبر أنت ويكبر قلبي معك.
وحين ولدتَ، ونشأتَ، وصرتَ صبيًا ثم شابًا، رأيتُ فيك شيئًا لم أره في أحد.كنتَ هادئًا دون خوف، ورصينًا دون تكلف. لم تُتعب أحدًا، لا بجسدك ولا بروحك. كانت لديك قدرة عجيبة على فهمي بنظرة واحدة، كأنك تُترجم ما في داخلي قبل أن أنطقه.ولم يدهشني ذلك، لأنني كنتُ أعرف أنك جئت إلى الحياة حاملًا شيئًا أكثر عمقًا من العمر والزمن.
ومع مرور الأيام، صرتَ تقرأ، لا قراءة عادية، بل قراءة تشبه الغوص. كنتَ تخرج من الكتب وأنت تحمل شيئًا جديدًا، وتحول أفكارًا بسيطة إلى تأويلات مدهشة. كأن الحكمة اختارتك منذ ولادتك. كأن بصيرتك سبقت بصرك. وفي كل مرة سرحتُ في وجهك، تذكرتُ ما قالته أمي لي يومًا:
"لم أشعر أنك ابنتي، بل شعرتُ أنك أمي وأختي غالبًا."
كنتُ أستغرب ذلك، حتى كبرتُ، وأنجبتُك، وعرفتُ أن الحب حين يكتمل يأخذ أشكالًا مختلفة، وأن الأمومة حين تشعّ تصبح علاقة تتجاوز ترتيب السنين.وأنت يا ابني، لست مجرد امتداد لي… بل أنت الامتداد الذي يُعيدني إلى نفسي، أنت الجزء الذي لم أفهمه إلا حين رأيته فيك.ومع مرور العمر، صرتَ رجلًا… رجلًا وقورًا، له عقلٌ يتقدم خطوتين أمام الزمن، وله رؤية لا تتوقف عند حدود اللحظة.
كنتُ أراقبك، وأقول لنفسي: هل أستطيع أن أثقل عليك بأفكاري؟ هل يحق لي أن أسلّمك ما سيكون بالنسبة لك ماضيًا، بينما هو كل حاضري؟ولكني رأيتك تفهمني قبل أن أشرح، وتقرأني دون أن أتكلم، فقلتُ في نفسي: هذا ليس ثقلًا عليه، بل هو جزء منه، كما كان جزءًا مني منذ حركة في الرحم.
نحن اليوم في زمنٍ يتغير بسرعة، زمن نصنع فيه أفكارنا عبر الذكاء الاصطناعي، زمن نتوالد فيه فكريًا كما لم تتوالد أمهاتنا بنا.ورغم ذلك، أشعر بأن الرابط بيننا لا يخضع لزمن ولا لآلة. أشعر بأنك تستطيع أن توقظ روحي حتى لو رحلت، وأن بصيرتك — تلك البصيرة التي وُلدت معك — ستجعلك تميز صوتي في قلبك حتى بعد موتي.
ولهذا، أقول لك اليوم…
حين يأتي يوم مولدك القادم ، احتفل أنت بيوم مولدك كما لو أن العالم كله ولد معك.واحتفل أيضًا بي، لأن ميلادك كان ميلادًا جديدًا لروحي.وحين يأتي يوم رحيلي — ولن أهرب من الحقيقة — أريدك أن تحمل زهرة الميلاد، تلك التي كانت رمز ظهورك، وتضعها على قبري. ضعها لا كعلامة نهاية… بل كبداية جديدة بيني وبينك.ضعها وقل لنفسك: "أمي لم تكن قطعة مني… بل كانت روحي."
وأريدك أن تتذكر دائمًا هذا:
البصيرة التي تمتلكها أنت، تلك التي ترافقك منذ كنتَ تدور في رحمي كعالم صغير، هي ما سيجعلك تشعر بي دائمًا، وتعرف أني لم أغب يومًا، ولن أغيب.سأكون في اللحظات التي تضحك فيها، وفي الدقائق التي تفكر فيها، وفي القرارات التي تتخذها حين تكون وحيدًا.سأكون في الأشياء الصغيرة: في رائحة الكتب، في دفء الشمس الصباحية، في أول رشفة قهوة، في صوت البحر، وفي كل مرة تُغمض عينيك
وتفكر بعمق.وأعرف — كما أعرفك — أنك ستشعر بي بجميع تلك الطرق… لأنك لم تحملني يومًا كورق، بل حملتني كروح، وأنا لم أكن يومًا جسدًا، بل كنتُ قلبًا ما زال يخفق بك ولأجلك.
ابني… أنت زهرة ميلادي وميلادك، وأنت استكمال جملة لم تُكتب من قبلي، وأنت الرسالة التي لم أُرسلها للعالم، لكني أرسلتُ نفسي كلها إليك من خلالها.وحين تنتهي من قراءة حياتي، ستعرف أني لم أترك لك وصايا كثيرة، لأن الوصايا تنطفئ، أما الروح فتبقى.وروحي منك وفيك… ولأنك أنت، ولأنك تحمل بصيرة لا يملكها أحد، فأنا مطمئنة أنك ستراني دائمًا، حتى حين يغيب وجهي ويتلاشى صوتي.ابني… إذا كان للعالم عيد ميلاد واحد، فهو أنت.وإذا كان للروح امتداد، فأنت امتدادي.وإذا كان للدهشة شكل، فهو وجهك الذي رأيته أول مرة. وإذا كان للحياة معنى، فهو أنك جئت… فصار كل شيء بعدها أجمل...حبيتك دائما التي تضعها في جيب قلبك لتمسح لك تعب عمر سافرت إليه الآن وفي هذا العام تحديدًأ حيث أرى انطلاقتك الحقيقية إلى الحياة...كل العمر الذي كتبه الله لك وأنت بألف خير ومحبة وفرح من الله ....أمك َضحى عبدالرؤوف المل
طرابلس\لبنان \ في 16 كانون الأول عام 2025الساعة الحادية والنصف ليلا يوم مولدك في حياتي
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=897797&r=0&cid=0&u=&i=2776&q
=