خالد سكرية للواء :" الرواية العربية اليوم تغرق في حالة من الضبابية
حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
ترك الدكتور «خالد سكرية» الطريق مفتوحة للعودة إلى «العنبرية» أو لغيرها، فهناك الكثير من الأخبار والحكايات التي لم تروَ بعد ومن المؤكد أن النهاية المفتوحة أقدر على إشغال خيال القارئ وتحريض مخيّلته وربما تتيح له وضع النهاية التي يراها مناسبة، فيشارك هو أيضا في ولادة نص روائي جديد.. ومعه أجرينا هذا الحوار:
- تغوص «العنبرية» بالوصف الانطباعي والسرد الكلاسيكي، لماذا؟
- ليس المهم التسميات والتصنيفات وإرجاع النص إلى مذهب أدبي أو مدرسة فنية محددة أو حتى قولبته في إطار ساكن، فالماء يبقى رقراقا وشهيا حتى يوضع في زجاجة والقارئ العربي اليوم مشبع بالنصوص والروايات التي تحكي له، وبحرفية عالية معاناة الآخرين، وتجاربهم الصعبة إضافة إلى ما يعانيه هو في الحياة من صعوبات العيش والفقر والتشرّد ومن الأزمات الكبرى التي حوّلت أوطانا بأكملها إلى أحلام، فمن حق هذا القارئ أن يجد باحة للنسيان يترك عند عتباتها آلامه وأحزانه وليسافر معها في جو من المتعة السحرية والغوص في الخيال الشهي والانسياق خلف اللحظة ولتحقيق ذلك لا بد من تشابك أكثر من طريقة أدبية ومذهب فني.
- العنبرية وعنوان فرعي «باحة النسيان»، فهل من نسيان لماضٍ مرَّ على بلد ما مع الزمن؟
- يمكن للماضي أن يُنسى بسهولة كلما قلّت علاقته بالحاضر أو حتى بالمستقبل ولسنا بحاجة إلى العودة بالزمن إلى الوراء، لأنه غالبا ما يبقى خصبا في الذاكرة ويعيدنا هو إليه لذلك لا بد لنا من أن نحكي لأبنائنا حكايات الجدّات، فنطيل عمر الزمن ونحييه من جديد بعد أن كان ماضيا ومنسيا. إن الزمن هو المعجزة الحقيقية القادرة على تحقيق كل شيء ومحو كل شيء، وإن بدا في بعض الأحيان مظلّلا وخفيا، فإنه غالبا ما يعود وفي لحظة ما هادرا وقويا فيدور ويتوسّع ويأتي ويذهب ويتراجع للأمام ويتقدّم للخلف فيصبح أهم من الحاضر أو حتى من المستقبل.
- فترة زمنية مختارة لقرية بسيطة ومن البسطاء من حققوا أهداف العيش الواقعي، فأين الأحلام التي ترافق البسطاء في «العنبرية»؟
- ليس للبسطاء أحلام، فالعيش بحد ذاته هو أكبر أحلام البسطاء، إنه الريف المسكون بالسحر والغرابة وبأهله المسكونين بالألم وبمحاولاتهم الخروج منه بأي طريقة أو ثمن، أن كل أحلام البسطاء هي خارج الريف ولكنهم وحتى بعد خروجهم منه واستطاعة بعضهم تحقيق أحلامهم البعيدة بجنون وشراسة، فإنهم لا بد أن يعودوا إليه في النهاية وأن يروا للآخرين، وبطريقة أقرب إلى التشفّي، أخبار ما حققوه، وكأن تلك الرواية هي هدف آخر لهم. بين أهل الريف وقراهم حبلا سريا يستحيل قطعه مهما طال الزمن أو قصر وكأنها عملية بحث عن الذات والهوية تستغرق سنوات من العمر حتى تصل إلى نهايتها وقد لا تصل إليها أبدا.
- من الصيدلة والكيمياء إلى الرواية والأدب، فما هي المعادلة التي تجمع بينهما؟
- في الحقيقة تقدّم الصيدلة مادة خصبة للأدب لأن الاحتكاك المباشر والمستمر مع الناس وخاصة المرضى منهم لا بد أن يكشف في النهاية عن عوالم سرية مخبأة في أعماقهم، فالمرض غالبا ما يجعل الإنسان شفافا وصادقا أكثر من أي وقت كما يجعله أكثر رغبة في مشاركة الآخرين أوجاعه وما يشعر به وهنا يمكن التعرّف على حالات إنسانية متنوّعة وعلى درجة عالية من التعقيد والتي تبدو واضحة في سلوك المريض وسلوك من حوله وردّات فعلهم تجاه ما يرونه أو يسمعونه والتي غالبا ما تكشف حقيقة شعورهم وآلامهم أو حتى ما يفكرون به، وهو ما يجعل من يسمعهم ويصغي إليهم قادرا على وصف الدواء لهم، كما تجعله من ناحية أخرى قادرا على الكتابة عنهم وعن تجاربهم وإن كانت كتاباته تلك تقدّم أدوية وعلاجات ليست من النوع الموجود في الصيدليات.
- تبتعد الرواية عن النمط الكلاسيكي وتتشابك فيها الشخصيات مع الزمن، فما الهدف من ذلك؟
- لقد أصبح النمط الكلاسيكي رغم جماليته غير قادر على احتواء متطلبات العصر ولا على مواكبة السرعة التي تتغيّر فيها الأحداث، لذلك فلا بد من الخروج منه نحو أنماط جديدة للكتابة تكون قادرة على الاستجابة لتنوّع المشاعر الإنسانية وتبدّلاتها الخاطفة وهو ما يتطلّب تعدّد في الشخصيات التي تنمو وتتراجع وتتغيّر رغباتها تاركة عميق الأثر في محيطها، وقد تكون التعددية بحد ذاتها متعبة للقارئ في بعض الأحيان لكنها تبقى هي الوحيدة القادرة على بلورة جوهر الحياة من خلال تشابك الأحداث والمواقف وربما الأزمنة أيضا.
- من المعروف أن الرواية العربية في تراجع مستمر مع ندرة القرّاء، فما السبب؟
- هناك مجموعة من الأسباب ولكن السبب الأبرز هو الرواية العربية نفسها، فالرواية العربية اليوم تغرق في حالة من الضبابية المبهمة والتكرار غير المفهوم إضافة إلى اللعب بالألفاظ الغامضة وتحميلها فوق طاقتها، فاليوم من الصعب أن تقرأ رواية عربية جديدة أو ديوان شعر حديث ويبقى بعدها في عقلك حرف جر واحد منه إلا ما ندر وهذه الندرة هي التي تجعل القرّاء أيضا نادرين، إن السطحية وقصور الرؤية التي تعالج بها أغلب الروايات العربية الآن مشكلات العصر وتحوّلاته الصعبة قد جعلت من الرواية في الآونة الأخيرة بضاعة كاسدة على أرصفة الطرقات.
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF-%D8%B3%D9%83-%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84-%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%AA-%D8%BA%D8%B1-%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D9%87%D9%85%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85/
تم نشره في جريدة اللواء عام 2019