الحرف العربي الغني هندسياً بالحركة الحسابية الدقيقة والمتينة بصرياً
ضحى عبدالرؤوف المل
يبني الفنان " تجمول حسين" (Tajammul Hussein) حروفه القرآنية رياضيا، وببصيرة كونية تميل إلى الاستنارة في تطلعاته نحو الحرف العربي الغني هندسياً بالحركة الحسابية الدقيقة والمتينة بصرياً، وبجمالية نتلمس من خلالها روعة المعنى والدلالية لمسارات الألف والأفقية الأحرف الأخرى، ولحرف لام مؤصل في أحرف جلالة توازنت مع الحركة السداسية، ولمحور النقطة أو الدائرة ذات البنية الهندسية المحسوبة رياضياً مع عدد الأحرف في كل لوحة مرسومة وفق الأبعاد الكونية المتخيلة، ضمن مرتكزات الخط العربي الإسلامي تحديداً المستوحى من صوفية تتجلى بصرياً عبر الخصائص والمفاهيم للخط العربي بكل أنواعه من كوفي وغيره ، وبخصائص الألوان الذهبية والمتلونة وفق العتمة والظل وحركة الحرف في لوحات تتواشج منها الخطوط بموضوعية تتجرد من خلالها مادية الحرف. لتتصل بروحانيته وعمقه ومعناه من حيث اتصاله بالحروف الأخرى تشكيلياً وهندسياً، وجمالية ذلك عبر التصميم الكلي للكلمة السابحة في مساحاته المفتوحة بصرياً نحو الكون.
ما بين الهندسة والرياضيات جمع الفنان " تجمول حسين" الشكل الحسي للمعنى الدلالي في كلمة توحي أشكالها بما تجسده. لتتناسب المقاييس مع معايير الأحرف من حيث الطول أو الارتفاع أو الامتداد والانحناء، وما تمثله من قسوة وليونة في التكوين المرن المرتبط بأجزاء الحرف والكلمة. لينطلق من الجزء نحو الكل، وبمهارة حسابية وبصرية دقيقة في تعابيرها الرياضية ذات الوجود التجويدي الإيقاعي بين الحركة والسكون. لحرف نتناغم معه وندرك معناه من حيث الشكل واتجاهاته، والحرف واتصاله وانفصاله الموحي ببناء الكلمة المثيرة لشكل هندسي سابح في فضاءات اللوحة ودقة معاييرها الجمالية ذات الاتساق النمطي للعب على جوانب التكرار وعمقه الفراغي من حيث عدد الحروف في اللوحة والمغزى القرآني من ذلك .
أبعاد فنية ترتكز على شكل الحرف واتصاله بالآخر، ولحظة التجلي التصوفية مع الحفاظ على النسب الفراغية بين الأشكال الحروفية أو بين الحرف والحرف، وأسلوب رسمه في اللوحة، وببنية مستقلة أحيانا وتبعاً لقوانين المربع والمثلث والمستطيل والحركة الدورانية المنسابة مع حرف القاف أو حرف النون، وحتى في حرف لام يكمن سره في تحليل بنيته البصرية التي ترتبط بالقوانين الرياضية ومضامينها الفنية ذات الإيحاء الحركي في امتداد الحروف وتقوسها أو انحناءاتها الموحية بالسكون، وخصوصيته الحسية والحركة وقدرتها على دمج الظاهر والباطن في بوتقة الكلمة بكاملها وتناسقها الإدراكي الملموس بصرياً وبمهارة مرنة عقلانياً. ليتخذ من الشكل قوة المضمون ورقة المعنى وجمالية الأسلوب في الخط العربي ومعانيه الحركية.
خط عربي ذو منهج يقيني يدرك من خلاله الرائي مفاهيم الفنان " تجمول حسين" المتمسك بالحرف العربي، وانصياعه لحساباته الدقيقة في التشكيل الفني، وبنظام ومكونات تراتبية ذات حدس رياضي تماسكت من خلاله المعاني المقروءة بصرياً، بفهم يرقى إلى اليقين الإيماني بالحرف القرآني تحديداً .إذ تتكون الأشكال في الخط العربي اللامتناهي بتناظر وتماثل يوحي بالإعجاز الفراغي ، السابح تخيليا مع التكرار اللامتناهي في مسحة ذهبية براقة في تعتيمها وسطوعها ، وامتلاءاتها الحيوية الناتجة عن تشكل الحرف في الفراغ النسبي الموزع توزيعاً بصرياً يتناغم مع الكلمة ومعناها وضمن الحدود المفروضة على اللوحة من الحرف والفنان معاً .
يستبطن الفنان" تجمول حسين" الحرف بوعي كوني دوراني من الكل الى الكل، وبتوحد ذاتي ذي فكر يتسع مع الرؤيا والزوايا الأربعة، لكلمة وضعها في مربع وهمي ما بين مد وتزوية ومحاكاة فنية إيمانية خصوصاً في لوحة " سلام قولا من رب رحيم" الممتلئة بالحركات الانتصافية اللينة في تدويراتها وجهاتها الكامنة صعوداً وهبوطاً مع اللام والميم ، ونقاطهما المحركة لمؤثرات نفسية حسيه تُدهش المتأمل لها، ليتوحد مع المعنى من خلال الشكل، وكأنه يقول لمن يرى لوحاته وفيك انطوى العالم الأكبر. وبتمازج لونيّ يعبّر عن هوية رؤيته الصوفية وقدرته على إيجاد دلالات يربطها بعلمي الهندسة والحساب والرياضيات والخط ، «فتجمُول حسين» تنوع في حروفه بين انسجام وتضاد وتنافر ضوئي، لتتشكل لوحة جمالية تترجم قوة البصر والبصيرة في فهم لمعنى الاتصال الروحي المحلق مع حروف الآيات التي رسمها من سور تشكّل، الميقات والطواف، والخلق وتنزيل القرآن وفق تناسق ذي إيقاع يعتمد على خط الثلث المركّب الدائري، متخذاً من الأشكال نظرة كونية معتمداً تقنية خطوط مستقيمة ودائرية، وهلالية استطاع من خلالها استعمال مسحوق الذهب ليظهر المجرات في حركة إيهامية وضعها في اقتران الحروف مع حركة الكواكب في فضاء اللوحة عبر أبعاد هندسية لنقطة متحركة وساكنة. لأن الإحساس بنظام الكون والأعداد المتوافقة مع الحروف وتشكّلاتها هو ناتج عن شعور يتولّد من نظام العبادات، فالإنسان جزء من هذا النظام الكوني المتوازن، والذي يعتمد على الجمال العميق للنفس الإنسانية المؤمنة القادرة على إيجاد فكر غني بالتصورات والتخيلات المبنية على قوة المخزون العلمي والمعرفي للكون وحساباته التكوينية، الشبيهة بعلم الحرف وتشكيله وقدراته على الايحاء بالمعنى من خلال الشكل المتكامل للحرف العربي، وللكلمة بحد ذاتها ضمن التشابه والتكرار والاختلافات في الأسلوب الفني لبناء كل لوحة من حرف أو كلمة أو اسم الجلالة أو حتى حرف قاف يكفي في تشكله. ليثير التأمل والتفكر في قوة الحرف وحركته.
استطاع الفنان " تجمول حسين " توظيف الحرف في إيجاد الليونة المستحبة بصرياً ، لفهم المعنى الجمالي لمن يتقن العربية ودلالياً لمن لا يقرأ الحرف العربي. إنما يفهم المعنى الحركي لكل خط واتجاهاته المحورية والتفافاته الهلالية ذات الأهمية الأسلوبية في البنية التشكيلية لحروفيات تعلقت بالآيات القرآنية وحساباتها الدقيقة ، الخاضعة للتذوق الجمالي المبني على تحديد معايير المساحة التي تحتوي العناصر السابحة والمتفاوتة في الملامح والمعنى، ولكن متلاحمة مع النقطة وقوتها ومركزيتها. إن من فوق أو تحت لتجذب باستقلاليتها الفكر، وكأنها تتفرد برؤية الفنان " تجمول حسين " الفنية الهادفة إلى تحليل الحرف من خلال الخط وفهم أبعاده الهندسية لاتصاله وانفصاله مع الآخر . إذ تبدو الحروف كحركة بصرية قصيرة أو طويلة ليتطابق المعنى مع الامتداد الطبيعي للحرف المتناغم مع المساحات الفراغية المحسوبة هندسياً بتناظر ذي خصوصية حسية توحي بدوران الكون والتلاشي. إنما بإيجاز ساكن بلاغياً لما يثيره الحرف من إجلال وسكون عند تأمل لوحات تحمل في طياتها الحركة الكونية من خلال الحرف القرآني وآياته. لينتظم كل حرف وفق انتظام اللغة القرآنية ومتانتها المتجسدة في كل كلمة وآية. الإقتران....
إن فهم الإنسان لحقيقة الكون يتشكل في وعيه الباطن، فيتوحّد مع الذات في تكامل وصفاء لتتكون علاقة خاصة لها نفس المقاييس والأبعاد والعناصر، لكنها ترتبط بعنصر واحد في الفكر والنفس والروح. ما يجعل زوايا الرؤية تتّسع وتمتد أفقياً وعامودياً، لتشمل زوايا الجهات الأربع، في مدّ.. تزوية... تشابك.. تداخل... وتركيب في محاكاة كونية لهياكل الحروف العربية السابحة في فضاءات اللغة حيث تمتلئ بتداخل لوني يخاطب العين الرائية عبر الحواس في تحاور إيماني يزيدنا خشوعاً، ويأخذ بلبّ جمال الكون عبر تشكيل وتكرار لأحرف في إيقاع سمعي لأصوات حروف معينة تداعب الطاقة الكامنة في النفس، فتجعلها تشعر بالسكون وهي تتأمل وتسمع، وتمسح بكف اليد بحركة هلالية... سلام قولاً من ربّ رحيم... يقول ابن مقلة: «الخط هو هندسة روحانية بآلة جسمانية..».
إن التأثيرات الروحية في حركة الكون الظاهرة تجعلنا في طواف دائم، فنشعر بتوحد وتكامل، وسلام مع أجزاء الكون الأخرى، فهل هناك تشابه بين الانسان والأجرام السماوية والقلم؟ وهل هناك تشابه بين القمر والمرأة والحروف العربية ومفاصل اليدين والعدد ثمانية وعشرين؟...
ربما هي هندسة الخط في الفراغ والتي تعيدني دائماً الى البداية والنهاية، في إسقاط نقطتين لرسم خط مسير الحياة بدقة وقوة، وجمال واتزان من خلال جريان قلم يبحث عن مستقر له في يد كل فنان مؤمن شديد الاستقامة في مران كامل كالقمر حين يرسم مساره في نظام كوني متوازن متجانس يشبه توازن وتجانس الحروف وتداخلها مع بعضها في اقتران على خط واحد في نقاط متعددة..
إن الاقتران بين الشمس والقمر حالة كونية تحدث مرة واحدة في كل شهر قمري وفق نظام ثابت للكون يشبه اقتران القلم مع الحروف وفق قواعد خطية ثابتة بدأ بها الفنان «تجمُول حسين» فخلق حواراً إيقاعياً ذا فواصل قصيرة من حروف في كلمات قرآنية ذات بعد روحي عبر حركة حروفية تعبيرية مذهلة، تعكس حركة الكون وارتباطها بمطواعية الحرف العربي والمعاني القوية فيه، فهو بدأ بحركة المجرات في الكون من خلال دائرتين مسقطتين على مستوى مائل في لوحة رسم فيها الشمس والقمر في أبعاد ونقاط ومقاييس مدروسة، فبدأ بسورة «يس» قلب القرآن الكريم «سلام قولاً من ربّ رحيم» في خط الثلث المتقن وهو أصعب الخطوط وأقواها في دائرتين، وكأنه يريد القول ان كل أشكال حروف الخط العربي مأخوذة من الشكل الدائري للقمر عبر نقاط سبع، وهو بذلك بدأ بالبسملة معرضه دون ان يكتبها..تمازج لونيّ يعبّر عن هوية رؤيته الصوفية، «فتجمُول حسين» تنقّل بين انسجام وتضاد، لتتشكل لوحة تجذب البصر والبصيرة في عملية اتصال روحي تجعلك تحلّق مع حروف الآيات التي استعملها من سور تشكّل، الميقات والطواف، والخلق وتنزيل القرآن وفق تناسق ذي إيقاع يعتمد على خط الثلث المركّب الدائري، متخذاً من الأشكال نظرة كونية معتمداً تقنية خطوط مستقيمة ودائرية، وهلالية استطاع من خلالها استعمال مسحوق الذهب ليظهر المجرات في حركة إيهامية وضعها في اقتران الحروف مع حركة الكواكب في فضاء اللوحة عبر أبعاد هندسية لنقطة متحركة وساكنة ما جعلنا ندخل من كل الأديان في العمق الايماني بسلام آمنين...
وقفتُ مبهورة أمام لوحة كتبها بخط ثُلث متقن بقياسات مدروسة وأبعاد تجعلك تجري كما الشمس او كسفينة نوح في طواف مائي حول العرش!.. متأملاً رحمة الله الواسعة التي تشمل كل مخلوق دون استثناء وأنت في تسبيح كونيّ مع الكائنات كلها، فأحرفه ذات نظم جمالية ورؤيا فلسفية صوفية عميقة في حروفية ذات شكل ومضمون وإتقان، واضعاً الجزء في الكلّ، والكلّ في الجزء ضمن انحناء واستقامة، وتوازن جميل في اختيار الآيات من سور ذات بناء في حرفين، وسور ذات بناء في ثلاثة حروف وخمسة حروف وكأنها الأصابع التي تمسك القلم وتتحرك مع جريان اليد بين انبساط وانقباض!.. لين وقسوة وكأنه يرى خلايا الكون في الحرف، فهل يهجر النور قلباً مؤمناً ساعياً لذكر الله..!؟..
إن الإحساس بالنظام الكوني هو ناتج عن شعور يتولّد من نظام العبادات، فالانسان جزء من هذا النظام الكوني المتوازن والذي يعتمد على الجمال العميق للنفس الانسانية المؤمنة القادرة على إيجاد فكر ذات معان، ودلالات قادرة أن ترفع عنا الهموم وتشعرنا بالصلة القوية التي تنشأ بين العبد وخالقه، في توحد وعبادة وإخلاص لينتج عملاً متقناً يبعث السكون والطمأنينة في كل قلب يذكر اسم الله...
يقول حامد سعيد في كتابه الفنون الإسلامية: «لا ينشأ كائن حيّ نشأة ذاتية إنما يتولّد من أصول ولا يمنع هذا أن الذي يتولّد يكون كياناً جديداً وأصيلاً، كذلك لا يتولّد الفن ذاتياً، إنما يتولّد من أصول، ولا يمنع هذا ان يتولّد الكيان الجديد الأصيل...
إستمد الفنان تجمول قيمة أعماله من قدسية آيات استطاع أن يُظهر جمالها المعنوي في أحرف متماسكة ضمن فن إسلامي في جلال خاص عبر مفاهيم ذات عناية تذوقية توزعت على محور الكون ومركزيته في قدسية عالية، كما اعتمدت على اقتران الحروف في تكوين وإيقاع وتشكيل ومرونة يد فتذكرت قول الشاعر:
كتبت وأيقنت يوم كتابتي
أن اليد تفنى ويبقى كتابها
فإن كتبت خيراً ستجزى بمثله
وإن كتبت شراً عليها حسابها
Doha EL Mol