الأديب العراقي حميد الحريزي لـ«اللواء»: الرواية القصيرة جداً رفيقة طريق واستراحة خفيفة الوزن
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
الرواية القصيرة جداً هي وليدة عصر العولمة المتسارع دوما والمصنع من عجل، حيث شحّة الزمن الفائض للإنسان لسد حاجاته الروحية ومنها الرواية بسبب انشغاله الدائم في العمل الجسدي والفكري لتوفير متطلبات الحياة اليومية المتزايدة دوماً، فلا متسع لإنسان العولمة اليوم ليستريح في مطعم ليستغرق ساعات في تناول طعامه لسد حاجاته الغذائية، وليس لديه الوقت المتاح ليقرأ روايات تتألف من مئات الصفحات قد تصل إلى ألف أو أكثر من الصفحات كما في الثنائيات والثلاثيات الروائية المعروفة، الرواية القصيرة جداً تنزع نحو عدم تكرار وسرد وتعريف المعروف وتوصيف المعلوم بالنسبة للمتلقّي في العصر الراهن عصر الإنترنيت عصر الصورة والـ«يوتيوب».
والأديب حميد الحريزي كتب نوع جديد من أنواع الرواية، رواية طويلة، رواية قصيرة، رواية قصيرة جداً، هي سرد ما قلّ ودلّ من الأحداث، وتعريف وتصوير الأماكن والشخصيات والمدن، مع احتفاظها بشروط الرواية، وقد كَتب رواية قصيرة جداً في عام 2010. ومعه أجريت هذا الحوار:
ما هي أهم ميزات الرواية القصيرة جدا؟
- كما سبق وإن ذكرنا أن أهم ميزات الرواية القصيرة جداً وهنا نؤكد على مفردة وتوصيف (جداً)، فإذا كانت الرواية القصيرة تتراوح صفحاتها بين 70 - 150 صفحة وكلماتها بين 10000 – 17000 كلمة، أي أقل من نصف أو ثلث عدد صفحات وكلمات الرواية الطويلة بين 200 - 1000 صفحة، وبين 70 - أكثر من 10000 ألف كلمة كما تعارف علية أكثر النقاد، فالرواية القصيرة جداً لا تزيد صفحاتها على 35 – 40 صفحة وعدد كلماتها لا تزيد على6000 كلمة، هذا ما يفرضه المنطق والمقارنة بين الأنواع وما يتناسب مع روح العصر.
الاختزال في التعريف والتوصيف إلّا مايز الفرد أو المكان أو المدينة أو البيت عن سواه أي ذكر العلامات الفارقة فقط، فهي رواية وامضة وليست فارضة ولا قابضة، شخصياتها الثانوية خفيفة الظل غاية في الرشاقة وعدم الفضول تؤدي ما عليها وترحل على الرغم من استمرار تعلّقها بالشخصية الرئيسية.
إشراك المتلقّي والقارئ في إشغال الفراغات السردية في متن الرواية بما تختزنه ذاكرته وما يستبطنه من ثقافة ومعرفية شخصية وصور وتصورات وتعريفات للأماكن والشخصيات، فلا داعي لتوصيف الأهرامات أو الساحة الحمراء أو برج إيفل... الخ، أو شخصية تولستوي أو همنغواي أو ستالين أو ماكرون... الخ.
أكيد سيختلف متلقّي عن آخر في شكل وسعة وعمق تصوّره وما يمليه للفراغات في متن النص باختلاف ثقافة وسعة معرفة وذائقة متلقّي عن آخر، الرواية القصيرة جداً تغازل النص الشعري النثري في اختلاف واجتهاد كل متلقّي عن الآخر في تحليل وتأويل صور ومفردات النص، فالرواية القصيرة جداً في تخادمها مع ما يستبطنه القارئ والمتلقي تماثل جهاز النقّال الحديث كونه جهاز تواصل وإرسال ومسجل صوت وعارض صور ومخزون معلومات وكاميرا تصوير فكل هذا حاضر أمام المتلقّي فور ضغطه على مفتاح ذاكرته أو مفتاح نقاله ليأتيه الجواب (شبيك لبيك أنا عبدك بين يديك)! فلا حاجة أن يسطّرها لنا الروائي في روايته يكفينا إشارته إليها ضمن السرد.
كما أن الرواية القصيرة جداً رفيقة طريق واستراحة خفيفة الوزن عبارة عن كتيب جيب صغير الحجم قد يضم أكثر من رواية واحدة تحكي لحاملها حياة بحجم العالم.
ما الفرق بين الرواية القصيرة والرواية القصيرة جداً؟
- ربما نكتفي حينما نقول الفرق بينهما يتمحور في مفردة (جداً) لدلالتها الكبيرة في التكثيف والتقليل والاختزال عبر القدرة البلاغية والأسلوبية للكاتب وإدخال الرمز في السرد ليفيض في المعنى المختزن في داخله في مخيلة القارئ والمتلقي مما يغني عن الكثير من الكلمات. وهنا تكمن صعوبة كتابة الرواية القصيرة جداً.
إشراك القارئ والمتلقّي في إشغال فراغات النص السردي كما ذكرنا آنفاً مما يعفي الروائي المؤلف الأول من ذكر تلك التفاصيل لتكون من حصة المؤلف الثاني الموازي المتلقّي، وسيقاس غنى وثراء النص الروائي بثقافة وغنى ثقافة المؤلف الأول وكذلك بثقافة وسعة تجربة ومعرفة المؤلف الثاني، تخلصت الرواية القصيرة جداً من أسلوب التلقين والفرض ووحدانية التأويل والتحليل كما في الرواية الطويلة ونسبياً في الرواية القصيرة، مما يشعر القارئ بحضوره الفاعل ومساهمته في السرد وتأويلاته.
كيف رأيت تجاوب الوسط الأدبي للرواية القصيرة جداً؟، وكيف ترى مستقبل هذا الوليد الجديد؟
- من خلال كتابات أدباء ونقاد في العراق والوطن العربي وبعض بلدان المهجر وترحيبهم بهذا الوليد الجديد والتفاؤل بمستقبله الأدبي الواعد، جعلني واثقاً بمستقبل الرواية القصيرة جداً، وكما قلت للإعلامية كابي لطف من إذاعة مونتي كارلو خلال اللقاء: إني أرى أن الرواية القصيرة جداً هي رواية المستقبل بامتياز، لما تملكه من رشاقة في الحجم وخفة في الروح وعمق وجمالية في المضمون.
كل الشكر والتقدير للأستاذة الأديبة ضحى عبد الرؤوف لهذه الحوارية الجميلة الواعية والشكر موصول لهيئة تحرير جريدة «اللواء» للنشر وإتاحة هذه الفرصة لنا لإلقاء ضوء الكشف على هذا النوع الأدبي الجديد.
10 أيلول 2024 12:00ص
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B2%D9%8A-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D8%A7-%D8%B1%D9%81%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%AE%D9%81%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D9%86/