هل القمامة في هذا الأنيمي Gachikutaهي تصنيف أخلاقي ؟

ضحى عبدالرؤوف المل

يُبنى عالم الأنيمي Gachiakuta عمودياً لا أفقياً في الأعلى مدينة نظيفة، متحضّرة، مرتبة، تتحدث عن النظام والقانون، في الهامش حيّ فقير يعيش فيه من لم يُسمح لهم بالصعود، لكن لم يُحكم عليهم بعد بالسقوط؛ وفي الأسفل، الحفرة ، حيث تُلقى القمامة ويُنفى المجرمون، في تماهٍ لا لبس فيه بين النفاية والإنسان. هذا التقسيم ليس تفصيلًا مكانياً، بل حكماً لقيمة الأدنى والأعلى وكأننا مجدداً نعيش قصة مدينتين لتشارلز ديكنز. لكن الموقع الجغرافي هنا يعادل الموقع الأخلاقي، فمن في الأعلى صالح، ومن في الأسفل فاسد، ومن في الوسط مشكوك فيه. فالمدينة لا تتعامل مع القمامة بوصفها مشكلة مادية، بل بوصفها تهديداً رمزياً القمامة تذكّر المجتمع بما لا يريد رؤيته ، فائضه، فشله، آثاره الجانبية. لذلك لا تُدار القمامة بهدف المعالجة، بل بهدف الإخفاء. وما لا يمكن إخفاؤه يُنفى. هكذا تصبح إدارة النفايات شكلًا من أشكال إدارة البشر، ويصبح النظام الصحي واجهة لنظام أخلاقي قاسٍ، لا يرحم ما يخرج عن صورته المثالية. ورودو لا بوصفه بطلًا، بل بوصفه خللًا في المنظومة. خطورته لا تكمن في أنه يسرق أو يخالف القانون، بل في أنه يرفض القاعدة الأساسية وهي قاعدة الرمي. رودو يجمع ما قررت المدينة التخلي عنه، لا بدافع الحنين، ولا بدافع الهوس، بل بدافع إحساس غريزي بالعدالة. حين يقول إن الأغنياء يرمون أشياء لا تزال صالحة للاستعمال، فهو لا يدافع عن الأشياء، بل يفضح منطقاً يرى أن القيمة ليست صفة ذاتية، بل امتيازاً يُمنح ويُسحب.إذلا يفكر البشر ملياً عندما يحولون أي غرض إلى قمامة. فهل القمامة في هذا الأنيمي Gachikutaهي تصنيف أخلاقي ؟

ليست القمامة مادة فائضة عن الاستعمال، ولا الحفرة هي مجرد مكبّ نفايات، ولا رودو مجرد فتى مظلوم في حكاية انتقام. هو بنية فكرية كاملة، عالم يُدار وفق منطق واحد صارم. فكل ما يفقد اعتراف السلطة بقيمته يُرمى. هذا المنطق لا يميّز بين شيء وشيء، ولا بين إنسان وإنسان، إنه منطق شامل، أعمى، وأخلاقياً خطير. فأخطر ما في هذا العالم ليس من يصرخ، بل من يرى الصراخ ويقرر ألا يسمعه، فالمشهد الذي يرمى فيه رودو بالحفرة من أشد المشاهد قسوة في هذا الأنيمي، بل يكشف كيف يُنتج العنف لغته الخاصة حين يحاصر الإنسان بين نظام لا يعترف وجمهور لا يرى، وعدالة لا تُصلح . فهل العيش بلا رؤية هو شكل من أشكال الموت؟

إصلاح الأشياء في هذا العالم ليس فعلًا اقتصادياً، بل فعل مقاومة. إعادة الاستخدام ليست كفاءة، بل عصيان. رودو، من حيث لا يدري، يقوّض أسس النظام لأنه يثبت أن ما سُمّي قمامة لا يزال قادراً على الحياة. وهذا وحده كافٍ ليجعله خطاً فما ينقذ الإنسان في عالم الإقصاء، ليس البراءة، بل وجود من يرفض أن يراك قمامة . أما الاشمئزاز الذي يحيط بالشخصيات المرتبطة بالقمامة ليس اشمئزازاً حسياً، بل أخلاقياً. القفازات القذرة التي تُذكر مراراً ليست مجرد تفصيل بصري، بل علامة اجتماعية بأن المجتمع لا يرى ما تصنعه الأيدي، بل ما يغطيها. السؤال الضمني ليس هل ما تصنعه نافع؟ بل من أنت كي تلمس العالم؟ من يحق له الإصلاح؟ من يحق له إعادة التشكيل؟ من يملك شرعية اللمس؟

تتجلى إحدى أكثر أفكار هذا الأنيمي قسوة في القيمة التي لا تُقاس بالفعل، بل بالفاعل. الشيء الذي يُصلحه "الشخص الخطأ" يظل ملوثاً مهما كانت جودته. وهذه ليست قاعدة اقتصادية، بل قاعدة أخلاقية خفية تحكم المجتمع. لكن العنف الحقيقي لا يبلغ ذروته في القمامة، بل في الدم. حين يُوصم شخص بأنه "ابن قاتل"، تنتقل الجريمة من مستوى الفعل إلى مستوى الأصل. إذ لا يعود الإصلاح ممكناً لأن الذنب لم يُرتكب بعد، بل وُرث.

لكن الحيّ الفقير، في هذا المعنى، ليس حيّاً للفقراء فقط، بل حيّاً للأحفاد أي أحفاد المجرمين أيضاً، أحفاد المنبوذين، أحفاد الخطايا التي لم يرتكبوها. لكن العمل الدؤوب الذي يقوم به سكان الحي ليس فضيلة، بل محاولة يائسة للتكفير عن صورة لا يستطيعون محوها. إنهم لا يعملون ليعيشوا، بل ليبرروا وجودهم. ومع ذلك، يكفي شخص واحد "ملوّث بالدم" ليعيد كل شيء إلى الصفر. هكذا يُدار المجتمع بالخوف من الارتداد، لا بالأمل في التقدم.في وسط هذا كله، تقف علاقة رودو بريغتو كاحتجاج صامت على فكرة الوراثة الأخلاقية. ريغتو ليس أباً بالدم، بل بالفعل. هو الدليل الوحيد على أن الإنسان يمكن أن يُصنع بالرعاية لا بالأصل. لذلك، فإن مقتله ليس مجرد حدث درامي، بل اغتيال لفكرة بديلة عن النظام القائم. ومع موته، يُغلق آخر منفذ للاعتراف. لكن السؤال الأهم هو لماذا يرتكبون الجريمة وهم يعرفون المصير؟ وهذا لا يُطرح في الحلقات الأولى بدافع الفهم، بل بدافع نفي الإنسانية. فالافتراض المسبق هو بأنهم يفعلون ذلك لأنهم ملوثون " كآبائهم" أو لأنهم لا يفكرون أو لأنهم مختلفون جوهرياً وهذا يُلغي أي بحث عن من هو القاتل الحقيقي .

اتهام رودو بالجريمة يتم بسرعة مخيفة، لا لأن الأدلة تشير إليه، بل لأنه قابل للاتهام. المجتمع لا يبحث عن الحقيقة، بل عن انسجام الصورة. والفتى الذي يجمع القمامة، وينتمي إلى حيّ مشبوه، ويحمل دماً مداناً، هو المتهم المثالي. هنا تتضح الفكرة الأكثر سوداوية في العمل وهي الحكم لا يصدر بعد الجريمة، بل قبلها. فقولهم رودو هو الذي قتل تحمل مفارقة قاسية فالضحية الحقيقي لا يملك لغة تُصدق وكأن الحقيقة لا يُبحث عنها بل تُستبدل بتصنيف جاهز، فالماضي يسبق الحدث والإسم يسبق الفعل. فهل من ذنب موروث يتم تصويره في الحلقة الأولى بأقسى صوره؟ أم أن ابن القاتل لا يُمنح فرصة الخطأ أو البراءة؟

البحث عن الحقيقة ألغي من الأساس، والحفرة هي نهاية الطريق، ليست عقوبة فقط، بل إعلان معنى وربما نقطة محو مريحة وما بعدها لا يخص أحداً . حين تُلقى القمامة والمجرمون في المكان نفسه، يُحسم الجدل، وهذا ما يراه المجتمع في الاثنين معاً . وما يجعل الحفرة مخيفة حتى لسكان الحي الفقير هو إدراكهم أن السقوط ليس مستحيلًا، وأن المسافة بين "العيش على الهامش" و"التحول إلى نفاية" قصيرة جداً. وحين يقسم رودو على الانتقام من الشخص المسؤول ومن المجتمع كله، لا ينبغي قراءة ذلك بوصفه انزلاقاً إلى الشر، بل بوصفه نتيجة منطقية. المجتمع الذي ينكر عليك قيمتك، ثم يقتل آخر من اعترف بك، لا يترك لك خياراً أخلاقياً نقياً. الانتقام في هذا الأنيمي ليس غاية، بل لغة أخيرة للتعبير. بل هو محاولة يائسة للقول "أنا موجود، حتى لو اعترفتم بي كوحش".فالعالم الذي يبني السُلم ليخيف ويعرض الهاوية ليُربي، لا يترك للإنسان سوى خيار واحد وهو إما أن يكف عن العناية والاهتمام بالآخرين أو أن يغامر بالحب ورودو حين اختار الدمية، لا يختار التمرد، بل يختار أن يبقى أنساناً في عالم يفضّل النظافة على الرحمة والمفارقة المأساوية أن المجتمع، حين يرى رودو يسلك طريق العنف، سيشعر بالرضا. سيثبت لنفسه أنه كان محقاً منذ البداية. هكذا تكتمل الدائرة التي أرادها كاتب هذا الأنيمي وهي النظام يصنع الوحش، ثم يستخدم وجوده لتبرير النظام.واعتمد البنية التصاعدية التي تقوم على التحوّل التدريجي في المعنى، فالدميه هي الغرض الأساسي والقمامة نزع القيمة والإنسان هو الفتى والسلطة هي شرطي المدينة وكل هذا يكشف أن ما يبدأ كقرار منزلي بسيط ينتهي إلى منطق إقصائي شامل. فهذا الأنيمي لا يعتمد على حبكة تقليدية بل حجة بصرية في كل حلقة نكتشف طبقة جديدة من الاتهام الأخلاقي للمجتمع . فهل هذا ليس مجرد أنيمي بل رسالة لا تتحدث عن القمامة، بل عن الحق في البقاء داخل دائرة الاعتراف. إذ لا يسأل لماذا يسقط بعض الناس؟ بل يسأل السؤال الأخطر وهو من يملك سلطة تحديد ما يستحق ألا يُرمى؟وهل في في عالم كهذا، لا تكون القذارة في الأسفل، بل في القواعد التي جعلت الرمي ممكناً، بل ضرورياً؟. وهل المدينة النظيفة نظافتها ليست براءة، بل إدانة مؤجلة؟ والسؤال الأهم هل تستطيع أن تحمل هذه القدرة، وتحول كل ما هو مهمل إلى قوة، وتظل إنساناً في عالم يميل إلى الفوضى والإهمال؟ ....يتبع

بيروت\لبنان\ الإثنين في 22 كانون الأول 2025الساعة العاشرة صباحا

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=898503&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=