روح الحياة الإنسانية التي تغدو كحضارة فنية تشكيلية

يهتمّ الفنان المكسيكي–الأميركي «ألبرتو إيبارا» (Alberto Yabara) بالواقع المعيشي المكسيكي والأصول الحياتية التي تخرج من ذاكرته، ويترجمها برسوماته التي تضجّ بالألوان الشعبية القادرة على بثّ روح الحياة الإنسانية التي تغدو كحضارة فنية تشكيلية متشبّثة بالأسس العائلية، وبالبنية الفنية المحبّبة لريشة ذات قوة بصرية تندمج مع المحسوسات بحدس ذي رؤى تتعلّق بالعادات والتقاليد، والتفاصيل الحياتية المرتبطة بذاكرة تعجّ فيها تفاصيل الزراعة والعمل اليدوي، والمشاهد الحكائية المصوّرة، ضمن فلسفة الارتواء الفني المترجِم لحياة مضت، تفجّرت منها الحداثة التي يبتعد عنها إيبارا بإخراجها من رسوماته، ويقترب منها بوضعها ضمن الماضي الذي تشكّل منه الحاضر الفني الذي يتمثّل باللون الأصفر، وحقول الذرة، والبيوت البسيطة، وما رافقها من أفلام اشتهر بها زمنه الطفولي، الذي يرسمه بوهج وإشراق ضوئي يتمثّل بجدّية الأشخاص في لوحاته، وقوة الريشة التي تجمع تفاصيل الحياة اليومية في مجتمع متآلف يحافظ على الشعور المكسيكي الخاص، المثير للاهتمام من حيث قدرته على ترجمته باللون والخط والرسومات التي تحكي قصص الشعوب التي تعيش الكدح والجهد، لتنتج ما يجعلها قادرة على البقاء.

فهل رسومات الفنان «ألبرتو إيبارا» مرتبطة بالمعتقدات الشعبية؟ أم أنّه يستحضر من الذاكرة ما يجعلها تحيا في لوحة هي لمجتمع شعبي يقبع في أعماق الوعي الفني؟

يغوص الفنان «ألبرتو إيبارا» في البُعد الاجتماعي الفلكلوري زراعيًا، ويسعى من خلاله لإماطة اللثام عن المجتمع الشعبي المكسيكي وما يعانيه في أرضه، وفي المحافظة على هوية وجوده التي تصبّ في قوة روح الجماعة، أو المدينة، أو القرية، أو ما تجسّده التقاليد الزراعية أو سواها من جمالية تثيره فنيًا، ليبقي على التراث المكسيكي الغائب الحاضر في حياته ضمن لوحات تمتدّ حتى كجداريات تروي حكايات لا تنتهي، وتمتدّ من الجدّ إلى الحفيد وللأجيال القادمة. وهو بهذا يتمسّك بالجذور التي يعشقها ويرسمها بأريحية تغلب عليها المعايير الفنية التي يضعها تحت المجهر التشكيلي، وضمن منهجه اللوني الخاص. إذ تنمو تدرّجات الألوان عبر الضوء الذي يمنح اللون شروق الشمس ومغيبها، وكأنّ المتأمّل للوحاتِه يعيش في حقل طيلة النهار من الشروق حتى المغيب عبر تدرّجات الألوان من الخفيف إلى الأقوى وبالعكس. بهذا هو يوحي بقوة المزارع المتمسّك بالحياة الزراعية في أرضه ووجوده، والخطوط في لوحاته هي الأزمنة التي يتعلّق من خلالها بالأمكنة وجمالياتها وقوة ألوانها الزاهية، وتطوّرها من حيث التقنيات التي يستخدمها في لوحاته المؤثّرة على المشهد الحياتي بشكل عام.

يجعل الفنان «ألبرتو إيبارا» من لوحاته شريط ذكريات يحكي من خلاله قصة مجتمع مكسيكي زراعي، من البيوت وأشكالها إلى النباتات والمزروعات وصولًا إلى المشاهدات السينمائية، دون الخروج من روح المجتمعات التي ينتمي إليها تراثيًا ولونيًا وفلكلوريًا، بمعنى التقاليد الزراعية وسواها. وبتعبير إبداعي هو أقرب إلى القصصي الفني التشكيلي، وبنُظُم فنية ذات طقوس خاصة، وبشغف يرمز إلى خلق زخرفات معاصرة من الألوان التي تشكّل ثقافة بصرية ذات مهارات مصقولة وفق صياغة نسج منها حقوله التشكيلية الخاصة، للإبقاء على القرى النابضة بالحياة أو المدن التي تحوّلت من طور إلى طور، وبسمات مكسيكية تزدحم فيها البيوت وتنبجس عنها فلسفة البقاء في واقع ذي رؤى طفولية، يصدر عنها الحنين والفيض الاسترجاعي للماضي بشاعرية تتصل بالألوان ومعانيها، وبصمت البارد والحار، والتدرّجات، والتناقض، والتضاد، ممّا يومئ بالإحساس بالغربة وبالحنين للعودة إلى حيث الولادة الأولى.

فهل ترافق لوحات الفنان «ألبرتو إيبارا» الألوان التي تترجم الغربة والتشتّت والخوف من الحداثة والابتعاد عن الجذور؟

الفنان «ألبرتو إيبارا» (Alberto Yabara)

من مجموعة متحف فرحات

dohamol@hotmail.com