النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار

ضحى عبدالرؤوف المل

يحمل الأنيمي Fatestay nightمفهوم النسوية والهوية في مشهد البطلة سيبربعداً فلسفياً واجتماعياً عميقاً، على الرغم من أنه يبدو بسيطاً وعفوياً على المشاهد. في الجملة الأولى من الحلقة الحادية عشرة من الأنيمي المصير "لقد جئتُ إلى هذا العصر من أجل القتال. التفكير في مسألة الجنس لا معنى له عندي." إذ نجد إعلاناً واضحاً ومباشراً عن رفض التصنيف الاجتماعي التقليدي للمرأة. إذ لا يُنظر إلى الشخصية النسائية على أنها محدودة بالبيولوجيا أو بالجندر، بل يُقاس قدرها وكفاءتها من خلال قدرتها على القتال، وتحمل المسؤولية، والالتزام بالواجب. هذا الموقف في هذا الأنيمي ولا أعرف إلى أي فئة عمرية موجه، لأنه يعكس نسوية عملية وممارسة فعلية للتمكين، تتجاوز الكلمات والحقوق النظرية، لتصبح قوة ميدانية ووجودية.

في هذه الحلقة بالذات ، هناك رفض للهيمنة الذكورية، ورفض للمعايير التقليدية التي تحدد الأدوار بناءً على الجنس. فالنسوية ليست شعاراً في كلمات أطلقتها البطلة سيبر في هذه الحلقة تحديداً قبل سواها ، بل إصرار على المساواة في الأداء، وتحقيق الذات في الميدان العملي. إن قدرة سيبر على تجاهل فكرة الجندر ليست مجرد تجاهل سطحي، بل رفض جذري للنظام الذي يحصر المرأة ضمن قوالب اجتماعية محددة. فالتحول في الحوار إلى مسألة "الدرس" و"الواجبات المتعددة" يظهر تضاعف الضغوط على المرأة في المجتمع. إذ يقول: "لديك أشياء لا تُحصى يجب أن تنجزها!"، وهو تصوير واضح للعبء المزدوج الذي تتحمله المرأة ، وهو وإن رمزياً العبء المرتبط بالقدرة القتالية، والعبء المرتبط بالمهام اليومية والاجتماعية الأخرى. هذا العبء يعكس واقعاً حقيقياً تعيشه النساء في جميع المجتمعات، حيث يُطلب منهن أن يكنّ ممتازات في كل شيء، وأن يجمعن بين القوة والرحمة والمعرفة والإنتاجية في الوقت نفسه .وبهذا يُظهر هذا الأنيمي في جانب منه النسوية الواقعية، التي لا تكتفي بالمطالبة بالمساواة النظرية، بل تطالب بتطبيق العدالة على أرض الواقع، حيث لا تُقاس قيمة المرأة بما تتوقعه المعايير الاجتماعية، بل بما يمكنها فعله فعلياً. وبدءاً من هذه الحلقة الحادية عشرة يقدم كاتب هذا العمل الأصلي كينوكو ناسو kinoko nasu) (رسالة قوية وهي القوة النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار والعمل ضمن المواقف المعقدة والخطرة.

أما النداء المفاجئ في نهاية الحلقة "هيه، أيها الراهب!"، يعكس كسراً للتسلسل الهرمي التقليدي. المرأة في هذا المشهد لا تخاف من السلطة، سواء كانت دينية أو ذكورية، ولا تتردد في مواجهة أي طرف يفرض سيطرته. هذه اللحظة هي تأكيد على استقلالية الشخصية النسائية وقدرتها على تحدي الأعراف، وإظهار أن السلطة ليست حكراً على الرجل، وأن المرأة تستطيع أن تتصرف بحرية كاملة في المواقف الحرجة. فهل يمكن القول إن المشهد كله يعكس مفهوم النسوية الأخلاقية والفلسفية: حيث تكون العدالة والواجب والكفاءة معيار القوة الحقيقي، وليس الجندر أو الشكل الاجتماعي للنسوية؟ وهل في هذا الأنيمي تتجاوز المرأة الدفاع عن الحقوق لتصبح وجوداً ميدانياً يفرض نفسه على الواقع؟

تتجلى أيضاً في مشاهد من هذه الحلقة مفارقة قوية بين القوة والهوية، فالشخصية النسائية قوية للغاية، لكنها ليست مجرد آلة للقتال، بل تحمل وعياً كاملًا بالمسؤولية، وتفهم حدود السلطة التي تمتلكها. هذا يعكس النسوية المتوازنة، التي لا تتخلى عن القوة، ولا تهمل العقلانية، ولا تغفل عن التزامها الأخلاقي تجاه الآخرين. وبعض المشاهد تقدم قراءة فلسفية للواجب النسوي. المرأة لا تعمل من أجل الشهرة، أو القوة الذاتية، أو الاعتراف الاجتماعي، بل تعمل من أجل الدور الذي اختارته لنفسها. إنها تتبنى مهمة أخلاقية، تجعل من قدرتها أداة لتحقيق العدالة وحماية الضعفاء، وهو ما يربط النسوية بالمسؤولية الأخلاقية، وليس فقط بالتمكين الاجتماعي أو الاقتصادي. كما يرفض تصوير المرأة كضحية للظروف، ورغم أنها مقاتلة في عالم مليء بالخطر، فإن شخصيتها ليست متفرجة على الأحداث، بل فاعلة فيها. هذا الانتصار على الضغوط والقيود المفروضة من المجتمع أو الواقع يمثل جوهر النسوية الواقعية، التي تُظهر أن المرأة قادرة على تحدي الأعراف التقليدية، وتحقيق الذات دون أن تكون مقيدة بأي دور مفروض. فهل أراد الكاتب القول أن البطولة المطلقة لا تترك مجالاً للحياة مهما كان الجسد الذي تحمل فيه؟

هذه الحلقة تحديداً تحتوي على رمزية عميقة للقوة والتدريب، فالقتال فيها ليس مجرد تدريب جسدي، بل هو تدريب على اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، ومواجهة الخطر بروح متزنة. هذا يربط النسوية بالتنشئة الفعلية للقدرة، حيث تصبح القوة أداة للتحرر من القيود الاجتماعية، وليس مجرد تعبير عن التفوق الجسدي أو التمرد الشكلي. بالإضافة لذلك، المشهد يطرح تحدياً معرفياً وفكرياً بمعنى كيف يمكن للمرأة أن تتجاوز النظرة التقليدية للجنس في عالم يُقاس فيه كل شيء بالقوة؟ الجواب الذي يقدمه كاتب هذا الأنيمي كينوكو ناسو أو هو ربما المشرف على السيناريو" يوئيتشيرو هيغاشيده" أو يوكي إيناتسو وهو أيضا من كتاب السيناريو واضح وهو من خلال القدرة على الفعل، والممارسة المستمرة، والالتزام بالواجب، وعدم السماح لأي عامل اجتماعي بأن يحدد القيمة أو المكانة.لكن النهاية المفاجئة للحوار، مع توجيه كلام صارم ايحائيا وساخراً مبطناً للراهب، تشير إلى التحرر الكامل من القيود الرمزية التقليدية. المرأة ليست مجرد مقاتلة، بل هي شخصية مستقلة، قادرة على فرض إرادتها، وإدارة الأمور بطريقة متزنة وفعالة، دون الحاجة إلى إذن أو موافقة أحد. هذا هو جوهر النسوية العملية بمعنى آخر الحرية في الفعل، والاعتراف بالقدرة الذاتية، وتحمل المسؤولية كاملة. باختصار، المشهد يمثل دراسة متكاملة للنسوية من ثلاثة أبعاد ، وهذا فعلاً أذهلني. أولها :البعد العملي المرأة تقاتل وتتصرف وفق قدراتها، وتتجاوز القيود الاجتماعية. ثانياً البعد الأخلاقي والفلسفي، فالمرأة تدرك مسؤوليتها، وتعمل وفق واجبها، وليس وفق رغبات الآخرين أو توقعاتهم. ثالثاً البعد الرمزي في القتال، التعليم، والتحدي للسلطة الرمزية تمثل رموزاًللتمكين والتحرر النسوي الواقعي.هذا المشهد يؤكد أن النسوية ليست مجرد شعار أو فكرة نظرية، بل هي ممارسة فعلية للقدرة، ورفض للتصنيف الاجتماعي التقليدي، واعتراف بالقوة الأخلاقية والعملية في آن واحد. كما يُظهر أن التحرر الحقيقي للمرأة يتحقق من خلال الأداء، والعمل، والالتزام الأخلاقي، وليس بمجرد المطالبة بحقوق أو رفض سلطة خارجية. فهل احتاج الكاتب مرآة أخلاقية لشيرو، ولم تكن هذه المرآة لتعمل لو كانت نسخة ذكورية منه؟

كثيراً ما تتشكل صورة المرأة عبر الرؤية السطحية للأحداث، ولكن كينوكو ناسو في هذه الرواية البصرية أو الأنيمي قدم صورة معقدة وغنية للمرأة كمقاتلة وفاعل أساسي في الأحداث. من بداية الإعلان الصريح من الشخصية النسائية: "لقد جئتُ إلى هذا العصر من أجل القتال. التفكير في مسألة الجنس لا معنى له عندي." هذه الجملة ليست مجرد كلامٍ عابر، بل إعلان فلسفي عن رفض التصنيف الاجتماعي التقليدي للمرأة.إذ لا تُقاس قوة المرأة أو أهميتها على أساس جنسها أو هويتها البيولوجية، بل على أساس قدرتها على اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، والالتزام بالواجب، وتحقيق العدالة. فالكاتب هنا يعكس نسوية عملية ومباشرة، تتجاوز الشعارات النظرية لتصبح قوة فعلية ووجودية. إنه رفض جذري للنظام الذي يحصر المرأة ضمن قوالب اجتماعية محددة، وهو بيان بأن القدرة على الفعل هي معيار القوة الحقيقي. في الوقت نفسه، هناك تحدٍ ضمني للنظرة التقليدية للمرأة في العالم: القتال هنا ليس امتداداً للذكورية أو صراعًا مع الرجل، بل ممارسة للحرية الكاملة للذات. فهل اتضحت الفلسفة النسوية الأخلاقية من حيث أن القوة لا تتعلق بالتفوق الجسدي فحسب، بل تتعلق بقدرة المرأة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية العواقب؟ وهل تعدد الأبعاد النسوية، حيث يجمع بين القوة الجسدية، والوعي الأخلاقي، والذكاء الاستراتيجي، والقدرة على التواصل والتوجيه. في هذه التركيبة تجعل من الشخصية النسائية قدوة متكاملة للتمكين، والحرية، والمسؤولية، وهل هذه رؤية مبتكرة للنسوية التي تتجاوز حدود الممارسة اليومية أو الحقوق النظرية؟ وهل هي امرأة في هذا الأنيمي لأنها في هذا الأنيمي ليست قوة بل تضحية؟

بيروت لبنان الأحد 28 كانون الأول الساعة السابعة مساءا 2025

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=899355&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=