الهيكل الجمالي في مسلسل النحات

ضحى عبدالرؤوف المل

يبرز الدافع الدرامي في مسلسل "النحات" للمخرج "مجدي السميري" في المحاكاة الفنية المنصهرة مع الشخصيات كافة، وبتنظيم للتسلسل الدرامي البصري. مما يجعل من التعايش مع الأحداث يلعب دوراً مهماً في الوضع الدرامي للنص والموسيقى التصويرية، وحتى بناء الشخصيات والاهتمام بفروقات أشكالها الخارجية، كشخصية رند وعصمت ويمان، والذي لعب دورهم الفنان "باسل خياط"، مما يفرض على الهيكل الجمالي في مسلسل النحات نوعاً من الديناميكية الدرامية التي حبكها كاتب النص والمخرج في مشاهد أكثر غموضاً من الأفكار التحليلية المرتبطة بالحلقات التي تنتمي إلى نوع درامي مثير مرتبط بالماضي، ومبني على شخصية توأمية تنتمي إلى عائلة عاشت خلال الحرب الأهلية في لبنان وحرب العصابات الغامضة مع الاهتمام بقضايا التهريب، وكل ذلك لم يمنع من جمالية الغموض أن تتغلغل في الشخصيات، خاصة سلمى وسلبيتها التي استمرت لحلقات متعددة. إضافة إلى شخصية الفنان فادي إبراهيم الذي تميز في هذا الدور ظاهراً وباطناً، بقوة درامية ذات جمالية فنية استكملها مع الفنان "أليكو داوود" من خلال دور سامي وفواز والأسرار التي يحتفظ كل منهما بها في ماضٍ جمعهما في حاضر مع ابنتيهما سحر التي لعبت دورها الفنانة "يارا قاسم" ومايا "ليا أبو شعيا" في الجامعة الشبيهة بكهف لتبييض الأموال والتي تستقطب أبناء الخارجين عن القانون والذين يتم تسفيرهم إلى الخارج للعمل في مناجم الألماس، ولكن تبقى أسرار الماضي ملك الشخصيات القديمة التي بدأ يمان يفكك غموضها وهو النحات الذي يجعل من مادة الطين وسيلة لبناء الوجوه المختلفة. فهل أضافت الشخصيات اللبنانية جمالية مضافة أحاطت بالفنان "باسل خياط" وزادت من جمالية دوره في هذا المسلسل وعناصره الفعالة درامياً؟

لعب الماكيير "داريوش صالحيان" دوراً كبيراً، وربما هو من خلق من الشخصيات شخصيات أخرى تترادف معها الأفعال الدرامية في النص الذي تكتبه "زينب" وهي الفنانة الشفافة "دياموند بو عبود" أو زينب الروائية التي ضاعت بين الواقع والخيال، ووضعتنا مباشرة أمام قصة كتبتها "بثينة عوض" لنحاول معها تحليل الأحداث وجمع التفاصيل. لنصل معها إلى نهاية ترضي الأطراف أو ترضي صاحب دار النشر الذي اختلفت معه من أجل الفصل الأخير العالق بين تناحر الأطراف "سامي وفواز" والسلاسة الدرامية التي تميزت بالبساطة والقوة مع التغيرات ولمسات "داريوش صالحيان" القادرة على خلق عدة شخصيات من شخصية واحدة. فهل تميزت الموسيقى التصويرية أيضاً أم أن "فادي مارديني" بنى المشهد الموسيقي بتآلف مع المشهد الدرامي وقوة التأثير السمعي المندمج مع الحركة التمثيلية داخل المشهد نفسه. وهل استطاع المخرج استخراج النص تمثيلياً في نحت درامي لا يقل أهمية عن فن النحت الذي ابتعدنا عنه فعلياً مع يمان الذي اختفى فجأة، وبات قصة لعمه رند الذي نجح في تقمص شخصيته "باسل خياط" خاصة، والشخصيات القوية ساعدت بقوة في هذا النجاح التفاعلي بين الأبطال كافة ودون استثناء، إلا مع الفنانين "فادي إبراهيم وأليكو داوود" نجما شهر رمضان المبارك درامياً.

تشكلت كيمياء مسلسل النحات من قدرة كل الفنانين الذين لعبوا أدوارهم ببصيرة واضحة جعلت تكوين العمل الجماعي مبنياً على الشخصية الرئيسية، وهي الفنان "باسل خياط" في دور يمان مربوطة بخيوط متينة معهم، وهي من الجماليات التفاعلية التي أثارت العديد من العناصر الأخرى كالماكيير والموسيقى، مما أوصله درامياً إلى قدر كبير من الكمال متضمناً نوعاً من النحت الدرامي المتخيل والمنافسة الروائية بين زينب تمثيلياً وبثينة عوض كاتبة النص، وباتحاد تطور مع إنشاء الهيكل الجمالي الحي درامياً دون أي فوضى في بناء المشاهد المثيرة، وبتسلسل هرمي تصاعدت وتيرته أكثر مع الحلقات، لنصل إلى رأس الهرم مع اندماج كافة عناصر هذا المسلسل من النص إلى التمثيل، فالماكيير والموسيقى والمونتاج وصولاً إلى الإخراج دون أن ننسى جمالية الأماكن، وهذا نوع من التجانس الدرامي وبنشاط درامي مميز.

تم نشره في جريدة المدة نيسان 2020

Doha EL MoL