2 - يونيو - 2020

هل أتاحت دراما المسلسل اللبناني «بالقلب» فهم الواقع في العالم العربي؟

ضحى عبدالرؤوف المل

تنطوي الدراما على معطيات حياتية قادرة على تجسيد أفكار المشاهد من مختلف الجنسيات، بحكم طبيعتها الدرامية، القادرة على خلق تصورات اجتماعية، لما يتم طرحه من قيم تساهم في تطور الأفكار المؤثرة عبر تجانس المشاهد المرتبطة بالنص، كمسلسل «بالقلب»، وهو من بطولة الفنان «بديع أبو شقرا» والفنانة «سارة أبي كنعان»، التي استطاعت لفت انظار المشاهد، والانجذاب نحوها لقوة تقمصها هذا الدور، الذي يسعى من خلاله المؤلف الى طرح اشكاليات تدور حول المرأة ومشكلاتها الاجتماعية على المستوى العربي في نص درامي سعى من خلاله المؤلف طارق سويد الى التأثير على التداعيات الناتجة عن سوء التصرف الاجتماعي مثل قضية زوج الأخت، الذي أراد أن يتزوج من اخت زوجته المتوفاة، وأيضا قسوة «ام ناهي» على «ديانا» زوجة ابنها.

إضافة الى السكران ومشكلات الإدمان والحب عند الشباب، كما أن المسلسل أدخلنا الى المجتمع المسيحي والمحبة الذي يتميز بها تحديداً، دون أي مبالغة في القضايا الحساسة، التي تشهد على القيم الشخصية والاجتماعية للحفاظ على البنى الإنسانية، وتحديداً مساراتها كرفض المشاهد لسلوك «أم ناهي»، والتي تقوم بدورها الممثلة «نوال كامل»، التي استطاعت اظهار القسوة والقوة، ونبذها من خلال المعاكسات الدرامية، التي لم يغفل عنها كاتب النص ولا المخرج جوليان معلوف، الذي ترك المشهد عفويا، وببساطة تركت العدسة الزوايا غامضة للتركيز على الممثلين.

فهل لعبت المؤثرات الصوتية دورها على المشهد السمعي المساعد في خلق الانفعالات على عدة مستويات متعلقة بالابطال أو الممثلين مع الاعتماد على خلق التعاطف السمعي، كما في مشاهد جدة ناهي، والتي لعبت دورها الفنانة القديرة علياء نمري مع الاحتفاظ بقيمة دار العجائز والاهتمام بكبار السن وعدم تركهم في المجهول، كما المرأة العزباء وقصص الحب التي كسرتها وجعلت منها حديث كل لسان في المجتمع الصغير، مما يعزز التأثر الدرامي المساعد على فهم الواقع اللبناني تحديداً من خلال الكثير من القضايا، التي يحملها هذا المسلسل، كما يحملها مسلسل «أولاد آدم» أيضاً بعيداً عن التفصيل والشرح. لنبقي على القضايا الاجتماعية التي طرحها مسلسل «بالقلب». فهل أتاحت هذه الدراما الرمضانية فهم الواقع؟

يحتاج تعميق المشهد الدرامي الكثير من المعطيات الفنية التي لم تكتمل في المسلسل، ولكن هذا لا يمنع القول إن العمل فتح الستار أمام قضايا واقعية محقة في المجتمع اللبناني والعربي عموما بعيداً عن السيناريوهات الأخرى.

فالمهارة الكتابية للنص وضعتنا أمام تصورات وانطباعات كشفت عن قساوة الواقع من خلال التمثيل والتعبير عن التواجد الحقيقي للإنسان، الذي يسعى الى تحقيق العدالة او الوصول الى المطالب المرة والقاسية في مضمونها مثل قضية الرصاص الطائش، الذي قضى على الكثيرين من الأشخاص الأبرياء، مثل ناهي الذي مات نتيجة الرصاص الطائش، وهو العريس الذي لم تكتمل فرحة عروسه به، وهي الفنانة التشكيلية التي حملت قضيته في لوحاتها ومعارضها، كما قضية وهب الأعضاء وانعكاساتها على المتبرع له، وتأثره بدخول عضو بشري لإنسان ما مجهول الى كيان جسدي آخر، وما تحمله من أحاسيس مع احترام لقواعد وهب الأعضاء، وهي عدم معرفة المتبرع بفهم وتحليل وتوليف بين مواقف الحياة اليومية والدرامية الفعلية في المسلسل، الذي يتطلب التزاما إنسانيا بقضاياه التي تناولها نفسيا وعاطفيا واجتماعيا.

وحتى فنيا من خلال الفنانة التشكيلية، وتأثيرات الأحداث على فنها بتنوع الرؤية المشهدية وقدرتها على رفض الأفكار المقولبة أو الأفكار الاجتماعية التي تفرض نفسها على الإنسان كأرملة بعمر الصبا، وهذا ما يعزز المفهوم الواقعي، الذي يحمله المسلسل بقوة. لينقله الى المشاهد بصدق درامي في الحلقات الأولى، لتنعكس بعدها الرعاية الاجتماعية لكبار السن وللمدمنين وتتخذ انعطافات وجدانية أوسع بعيداً عن الحلقات الأخيرة التي احتاجت لاختزالات. فهل نحتاج لهذا النوع من الدراما رمضانيا؟

تم نشرها في جريدة القدس ... 2 - يونيو – 2020

https://www.alquds.co.uk/%D9%87%D9%84-%D8%A3%D8%AA%D8%A7%D8%AD%D8%AA-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%82/