الفيلم الاسباني «المنصة» للمخرج غالدير غاستيلو: صورة التآكل الإنساني
ضحى عبدالرؤوف المل
الحفرة هي سر الفيلم الإسباني «المنصة» للمخرج «غالدير غاستيلو» أو «الكابوس»، الذي لا نهاية له أو النظام الذي يأكل نفسه بنفسه ويتحول الى بدايات لا نهايات لها، وباستعارات ترمز الى الطبقات الاجتماعية، التي تبدأ من الرقم 1 الى 48 ولا ندرك ما بعده.
فالسجن العامودي المتحرك والثابت ضمن سلوكيات أساسية مبنية على التغيرات غير المتوقعة عند الإنسان.
وردة فعله عندما يصل الى المستوى صفر وأن يكون لدى العاملين في المستوى صفر ضمير، وبالتالي تقودنا الأحداث في الفيلم الى التساؤل عن الكثير من المفاهيم، ومنها أهمية الإقناع قبل الهزيمة وأهمية الحوار، كما أنه وضعنا أمام إدارة عامودية لا ضمير لها، وبقساوة تحكمها قدرة العودة الى مستوى صفر سليما.
فالرسائل الإنسانية لا تحتاج لمن يحملها بل الى من يعيشها ويدرك قيمة خسارة الإنسان لمعنى الحياة دون الوقوع في الحفرة الاجتماعية أو السياسية أو غيرها التي تؤدي الى هلاك الإنسانية وزعزعة أمنها واستقرارها بل ونموها.
فهل يستند النص في أبعاده إلى إبراز المتاهة الاجتماعية، التي يصعب فهمها في ظل التآكل الإنساني والقلق المتزايد من الفعل المتوارث، الذي أودى بالبطل الى الدرك الأسفل من الحفرة، وبتضحية هي جزء من إنسانيته لصالح انتصار مبادىء العيش، وعدم الرضوخ لقانون الحفرة التي تنتقل بالفرد من طابق الى طابق تبعا لوحشيته وعدم استسلامه؟
خيبة أمل يصاب بها البطل، وهو «ايفان مساج»، الذي يجد نفسه في سجن من عدة طوابق، في كل طابق سجينان، ترتبط الطوابق بفتحة في الوسط يتم من خلالها اسقاط منصة الطعام مرة واحدة في اليوم، وكلما انخفض مستوى السجناء قل احتمال تناولهم الطعام أو أصابتهم بانهيارات تضرب الأعصاب أو وحشية حيوانية تدفع البعض الى أكل زميله في الطابق. ليجعلنا نتساءل ما هي ردة فعلنا إن واجهنا ظروفاً مماثلة؟
لا تترك أي شيء احتياطيا من الأكل وإلا يتم تسخين الغرفة حتى الموت، لذلك عليك الأكل بسرعة وإلا هبطت المائدة التي على المنصة للأسفل، فالجوع يؤثر على العقل بقوة، مما يتسبب بالفوضى الوحشية، فهل الكتاب الذي أحضره معه سينفع والسكين بيد السجين المقابل؟
رأسمالية تسحق الشيوعية والنخبة الواسعة الفكر تقتلها مستويات الجهل، وبشكل حاد وكايوسي، حيث يتقلب الأشخاص من المؤمن
المسالم في الحياة الى المدافع الشرس، وبالقتل أو بمنطق القوة، الذي رفضه بداية. وبعامودية لا التفاف فيها إن دخلت فيها طوعا أو عقابا، النتيجة واحدة هي أنك دخلت متاهة لا نهاية فيها، وما أحضرته هو الرمز، الذي آمنت به في الحياة، وانقلب الى لا شيء في الحفرة، لأنه لا معنى له كالكتاب في يد بطل الفيلم، الذي أصبح طعاما للسجين الذي معه. فهل هذه سخرية الفكر في ظل الكوارث الإنسانية؟
لا يمكن المراهنة على الإخراج وتقنيات التمثيل، التي أتقنها أصحابها، والفيلم في أكمله يتم تصويره في الداخل، أي الحفرة ذات الطوابق، وكأن النص يشير الى دهاليز العقل الإنساني وغوامض الفكر الذي ينتهجه في الحياة، فلا المذاهب ولا الانتماءات السياسية أو العقائدية قادرة على تخليصك من حفرة وضعت أنت نفسك فيها، ومن الصعب جدا التنبؤ بالحلول، التي تخلصك من الحفرة التي يتخبط فيها الإنسان من البداية الى النهاية، التي تكرر نفسها، مما يعزز صورة التآكل الإنساني عبر التاريخ. خاصة وأن الطعام هو بقايا من كل طابق أي من كل فئة اجتماعية من الأعلى الى الأسفل، وصولا الى المجاعة الكبرى في الطابق المخفي.
فهل من تشابه بين الحفرة وبين ما يحدث اليوم من صراعات هي فعلا تشبه الحفرة؟
https://www.alquds.co.uk/category/%d9%85%d9%86%d9%88%d8%b9%d8%a7%d8%aa/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a7/