في مسلسل «الصيادون» الأمريكي للمخرج ديفيد ويل الموتى وحدهم يعرفون نهايتهم

ضحى عبدالرؤوف المل

يقول النازي، الذي ما زال يبحث عن الانتقام من اليهود في مسلسل «الصيادون» للكاتب ديفيد ويل: لاعجب أن اليهود لا يفكرون إلا في وجودهم المثير للشفقة، فالكاتب وضعنا وجها لوجه مع الصيادين ومعسكر اعتقال «اوشفيتز»، حيث التعذيب الذي يمارسه النازيون على اليهود في قصة تدور أحداثها عام 1977 في نيويورك، وفق أبعاد درامية جديدة تُظهر قوة القسوة وردات الفعل التي نتجت عنها. إضافة الى وصول اليهود والألمان النازيين الى أمريكا للخوض في حرب من نوع أخر، وهي تصفية من تبقى منهم أو الأحرى من هرب من المحرقة في مسلسل من حلقات عشر، وفي تتر مميز متشكل من لوحة شطرنج، وهي مستوحاة من لوحة الشطرنج البشرية التي قام بتشكيلها النازي للانتقام من بطل الشطرنج اليهودي، الذي لم يتمكن من التغلب عليه أثناء اللعب معه بعيداً عن التلميحات الأخرى التي لوح بها الكاتب، وهي العودة بالزمن الى الوراء الى حيث هرب البعض من اليهود، وعاشوا في أمريكا ولحق بهم النازيون لتصفيتهم بعد أن تم قتل أكثر من ستة ملايين يهودي في معسكرات الاعتقال وغرف الغاز، وفي بعض الأماكن الأخرى. فهل يتحول الإنسان العادي الى وحش حين يتعرض للاضطهاد؟

نكتشف في الحلقات ما قبل الأخيرة أن الكثير من كبار المسؤولين النازيين، الذين تمكنوا من الفرار من المانيا في أعقاب سقوط هتلر الى أمريكا هم بصدد انشاء الرايخ الرابع في الولايات المتحدة، حيث يحتدم الصراع وبقوة بعد مقتل الجدة «روث هايدلبوم» والتي تلعب دورها الممثلة جيني برلين، التي تُظهر لنا قيمة الحكايات التي ترويها الجدات، وقدرتها على ترسيخ المفاهيم في النفس الإنسانية خاصة وأنها تُشير في الكثير منها الى محارق اليهود. لتنغمس الجدة في الذات وتمسك بالمقود الحكائي لتسلمه لحفيدها «جوناه هايدلبوم»، وهو الممثل لوغان ليرمان، الذي بدوره ينغمس بالذات ويبحث عن الانتقام مع الصيادين الذين يقودهم ماير أوفرمان، وهو أحد الناجين من اوشفيتز، كما بدا في الحلقات الأولى. لنكتشف في النهاية أنه ليس بيهودي، وإنما انغمس في الانتقام بعد أن دفعته الجدة للتفكير في ذلك. بل لإنشاء فرقة للصيادين ليتم تصفية النازيين الذين بدورهم يلاحقون اليهود لقتلهم وإنشاء الرايخ الرابع.

فهل الأحداث المأسوية في المسلسل ارتكبها الكثير من النازيين وليست بالجديدة تاريخيا؟ أم أنها من صنع خيال المؤلف ديفيد ويل، بعيداً عن الوعي الدرامي، الذي اثبته في كل حلقة عبر التصعيد الدرامي الدراماتيكي، الذي أصابنا بدهشة كبيرة بعد نهاية الحلقة العاشرة والأخيرة من الموسم الأول، حيث سقط الجد قتيلا بعد أن اكتشف الحفيد أنه ليس جده، كما أنه ليس يهوديا، ولكنه اتقن اللغة العبرية وقراءة التوراة حبا بماير الحقيقي الذي قتله لينتحل شخصيته، الذي عاش بها الى أن مات. فهل نظرية المؤامرة ممزوجة بلطشات سياسية هي تاريخ حقيقي لليهود في هذا المسلسل؟ أم أن المؤلف حاول تصوير الدور الأمريكي، الذي ساعد في دخول كل من النازيين واليهود الى أمريكا هو السبب في خلق الصيادين؟ أم أن هذه السلسلة الدرامية هي لحفظ الماضي كي لا يتم نسيانه بشكل خاص؟ أم أن الهدف هو الإشارة لعقول النازيين الذين أرادت ضمهم أمريكا لها؟

العقول النازية بعد سقوط هتلر وجذبها إلى أمريكا وخلفيتها التي جرت الكثير من الأحداث وأبرزها وصول كل من النازيين واليهود إلى أمريكا بشكل غير شرعي في مسلسل ترك الكثير من التساؤلات حول إنشاء الرايخ الرابع، وفترة السبعينيات واللجوء الآمن للنازيين في أمريكا والتنافس على العقول مع الاتحاد السوفييتي، الذي لم يتطرق له الكاتب إلا ضمن بعض الثغرات في المشاهد الأخيرة عندما تم قتل عالمة ألمانية تعمل في ناسا، مشيراً الى محاولة الاستيلاء على الفضاء، وفي أجواء السبعينيات من موسيقى وديكور وملابس وببهجة بصرية تعيدنا زمنيا إلى الماضي، لنعيش لعبة الشطرنج فعلا بين النازيين واليهود، والتقلبات الدرامية المترابطة مع الانعطافات في الأحداث وقوة الإثارة عبر الأحداث المأساوية، التي جعلت من اليهود عائلة واحدة تعمل كالصيادين، لتبقى هي على قيد الحياة. فهل فعلا الشر الحقيقي يقتلك من الداخل الى الخارج؟ أم أن صيدهم ينتمي لموتاهم؟

https://www.alquds.co.uk/%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%B1%D8%AC-%D8%AF/

تم نشره في 6 - يوليو - 2020