هل هذه هي الحقيقة؟ في رواية «نساء البن» لـ جورجي أمادو
ضحى عبدالرؤوف المل
تجذب موضوعية «جورجي أمادو» في رواية «نساء البن» الصادرة عن «دار الساقي» وترجمة «مالك سليمان» قوة بقدر التساؤلات التي تصدر عن كاتب أمعن في التفكير وهو يبني شخصياته العربية مثل جميل بشارة ورضوان مراد الحكيم، ليمنحهم صفة المهاجرين «وكانو يسمون أولئك العرب أتراكاً» . فالمهاجرون هم الأكثر حضورا في رواية «نساء البن» حيث رست السفينة التي «حملت جميل بشارة ورضوان مراد الحكيم في خليج القديسين» وهذه تحمل نوعا من ثقافة الهجرة الى بلاد الغرب للتعبير أدبياً عن الايديولوجيات المدعومة بالواقع الروائي المتخيّل، لتمثيل يكشف من خلاله عن القوة والهيمنة الجغرافية على الكثير من المناطق المختلفة «من الأقاليم الداخلية، ومن ولاية سيرجيبي، إضافة إلى اليهود والأتراك - كانوا يسمون أولئك العرب من السوريين واللبنانين أتراكاً - وكانوا كلهم برازيليين». فهل صفة الصداقة المتينة التي توطدت بين التركيين السوري واللبناني الأشبه بالأخوين هي تمهيد للتأكيد على علاقات القوة والهيمنة التي مارسها المهاجر في المدن والقرى الاسبانية ؟ وهل الأصل القومي للشخصيات هو لإظهار الدور الفاعل لهؤلاء في اسبانيا؟
ينتقل أمادو بنا من الإندماج المجتمعي والدم العربي المتحوّل عبر الأجيال إلى التفاعل الوطني وتحديد الهويات الجديدة التي اتخذت مكانها على الأرض التي وطأها كل من الصديقين الحالمين بالحب والجنس والثروة، بل وازداد تمسّكهما بالأعراف، وبالعادات والتقاليد، وبصورة نمطية فريدة من نوعها أسبغ عليها نوعا من المعرفة بالسلوكيات العربية أو ما يسمّى بالشخصيات التركية إشارة الى البلاد العربية كسوريا ولبنان، ليظهر قيمة التفكك بدءاً من الأسرة بعد موت الزوجة سلوى وصولا الى الخيانة الزوجية، وبسخرية السلطة القوية القادرة على سجن القاضي للنادل، لانه يعشق زوجته، مما يؤكد على تفاقم الأزمات الاجتماعية في ظل الاستهتار وقدرة سلطة المرأة حسيا على الرجل، وبرمزية البطلة سلوى التي استطاعت فرض تأثيرها حتى بعد مماتها «الذي يشكّل مزيجاً من الكوميديا الرخيصة والميلودراما». فهل ما يبدأ بالعربية ينتهي بالبرتغالية هو أشبه بمهزلة؟ أم أن الرواية بأسماء أبطالها العرب أو الأتراك كما يقول هي صورة لمجتمع مفتوح على العديد من الألسن الناطقة بلغات غير الاسبانية أو البرازيلية؟ وهل العلاقات غير المتكافئة هي البنية الأساسية لسوء التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وان بدا التاجر العربي رجلا قويا ومدللا من المرأة التي جعلها سببا في النجاح العربي من خلال تكوين الصورة القوية لسلوى ومدى تأثيرها.
رواية من الأدب البرازيلي الذي يفتقر الى شخصيات برازيلية، لأن الرواية تضج بالشخصيات العربية التي هاجرت بطريقة غير شرعية الى البرازيل، ومنحت البلدات والقرى الأجيال الثانية التي امتدت جذورها في أرض البن أو الكاكاو مع الاحتفاظ بالميزان التجاري المرتبط بشخصيتين أساسيتين من الأتراك كما يقول الراوي في روايته التي منحت الأتراك صفة اكتشاف أميركا. فهل يحاول «جورجي أمادو» مد الجسور العربية من خلال الحياة العربية والدراما المتعلقة بالمعتقدات والسلوك الديني أو الإيماني؟ أو بالأحرى ما تركه جميل بشارة وإبراهيم من مخازن وثروات لجيل بات يعتبر نفسه برازيليا أصليا وان حافظ على طباعه في المأكل والملبس «لولا وجود آدما، لكان العشاء مثالياً. كان عشاء عربيا لذيذا أعدّته سميرة بمساعدة الملاك فريدة... «في مدينة ايتابونا المليئة» بالحيوية والنشاط، بتجارتها وكنيستها ومعبدها» والكثير والسرد الممتع والبسيط والوصف لمدينة صغيرة عاشا فيها كل من الصديقين السوري واللبناني حتى نهاية الرواية التي انتهت بمعجزة «معجزة أقل أو معجزة أكثر، كانت المعجزات تحدث في رمشة عين في تلك الأزمنة الجميلة التي اكتشف فيها الأتراك أميركا» فحاول حاول أمادو في «نساء البن» الكشف عن التاريخ القديم للدولة العثمانية ومشكلات الهجرة آنذاك؟ أم أنه يوحي بكرم البلاد الذي هاجر إليها جميل وإبراهيم؟
ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
12 آب 2020 12:00ص
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%87%D9%84-%D9%87%D8%B0%D9%87-%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86-%D9%84-%D8%AC%D9%88%D8%B1%D8%AC%D9%8A-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D8%AF%D9%88/