التحقيق الطبي والتحقيق الجنائي وجهان لعملة واحدة في مسلسل واتسون
ضحى عبدالرؤوف المل
يعيد مسلسل واتسون صياغة هولمز\ واتسون الكلاسيكية بطريقة جديدة وأكثر انفعالا، فالمسلسل مشبّع بما يمكن تسميته العاطفة الاعتذارية. إذ تتجاور المحبة عن الذنب ويبدو هولمز أشبه بظل كبير يحمي الناجي وهو واتسون ويؤنبه في الوقت نفسه "كُنتَ أفضل صديق حظي به هولمز" وهذه تؤسس لعلاقة ثلاثية منذ البداية، حيث الحزن على هولمز لا ينفصل عن الحرص على صديقه . فهل واتسوان هو حارس الذاكرة ليجمع الأجيال في حكايا شرلوك هولمز ومورياتي ولكن طبياً هذه المرة؟ وهل فعلًا استطاع هولمز تمويل عيادة لواتسون كي لا ينهي الحكاية ويفتح مشروعه الأخير "أن يعيد لواتسون أو غارث دوره الأصلي كطبيب."وهل تظهر وإن بشكل ضمني مفاهيم الصداقة لا العبقرية بأنها هي الإرث الحقيقي لهولمز من عقلٍ حاد إلى قلب سخي؟ أم هو إعادة للحظة سقوط هولمز الشهيرة من الشلال واستكمالها بالتحقيق الطبي الهولمزي إن صح القول ؟
الأحداث الطبية والنفسية والاجتماعية في مسلسل واتسون وهو من ابتكار" كريغ سويني" لا تقتصر على التشخيص والعلاج فحسب، بل تمتد إلى أعمق مستويات الوعي البشري وفلسفة الوجود. من خلال الشخصيات وأبرزها ستيفن كروفت، بورتيا، جيني، كاميرون فيبز، أنغوس وابنه، وشارلوك هولمز. إذ تتجلى الصورة الكاملة للصراع بين السيطرة والفوضى، بين الإرادة الفردية والمصير، بين المعرفة والجهل، وبين الماضي والحاضر. هذه الأحداث ليست مجرد حالات طبية أو تحقيقات جنائية، بل هي دراما رمزية متشابكة تكشف عن أعماق النفس الإنسانية. فهل مرض اليد الغريبة هي رمز للصراع الداخلي؟
حالة كاميرون فيبز ومرض اليد الغريبة، حيث يوضح مسلسل كاميرون فيبز لديه حالة طبية نادرة تجعل يده اليسرى تتحرك بشكل مستقل عن إرادته، تمثل صورة مثالية للصراع بين العقل والجسد، بين الحرية الشخصية والقيود المفروضة من الطبيعة. فاليد ليست مجرد عضو جسدي، بل هي رمز للغريزة التي تتجاوز السيطرة الواعية، للجزء من الذات الذي قد يختار أفعالًا لا يوافق عليها العقل. ويضيف المحقق الطبي " إذا كان يقول إن اليد هي التي فعلت ذلك وليس هو... فهو على الأقل قد يكون على حق"، وهو تصوير فلسفي للغموض الأخلاقي الذي يحيط بالمسؤولية الفردية، ويطرح تساؤلات حول حدود الإرادة الإنسانية في مواجهة القوة الجسدية الطبيعية، وكيف يمكن أن يتحمل الإنسان المسؤولية عن أفعاله عندما تتجاوز إرادته.
هذا الصراع الداخلي يتقاطع مع البعد الاجتماعي والقانوني، حيث يواجه الفرد أحكام المجتمع والقضاء، ويصبح التفسير الطبي للفعل أداة للدفاع عن النفس، كما يظهر في الحلقات الأولى فالمريض يسأل "هل يمكنني أن أقف أمام القاضي وأقول إنني لم أفعل، كانت يدي؟" مما يعكس الصراع الرمزي بين القانون والطب، بين الفعل والإرادة، وبين الحقيقة الإنسانية والعدالة القانونية. كما تُعدّ الحالات الطبية النادرة، مثل إصابة بورتيا بالطاعون عبر عض الأرنب، بعداً رمزياً آخر للصراع الإنساني. إذ يوضّح "الأرنب الذي عضها كان يحمل يرسينيا بيستيس، الطاعون الأسود"، وهذه الصورة ليست مجرد تشخيص طبي، بل هي استعارة للتحديات التي يواجهها الإنسان أمام الموت والفناء، وكيف يمكن للعلم أن يتحول إلى أداة إنقاذ ليس فقط للجسد، بل للنفس أيضاً. العلاج الجيني المقترح على بورتيا يمثل رمزاً للسيطرة على الطبيعة، وتحويل المعرفة إلى أداة إنقاذ، كما يقول الطبيب: "لقد أعددت العلاج وراثياً، وإذا لم نتأخر، ستتعافى بالكامل"، مما يوضح الصراع بين الفناء والخلود، بين العلم والطبيعة.
أما حالة جيني روبرتس، التي تعاني من تورم الدماغ وفقدان الذاكرة والهلوسات، تظهر كيف تتقاطع التجربة الجسدية مع النفسية لتخلق بعداً رمزياً للصراع الداخلي أيضاَ . إذ يقول "لديها أدلة على وذمة دماغية... هي مصابة بالبارانويا والهلوسة"، هنا يصبح الدماغ مسرحاً للصراع بين الحقيقة والوهم، بين الماضي والحاضر، بين ما تعرفه الشخصية عن نفسها وما تفرضه عليها الظروف الخارجية. الاضطرابات العصبية تصبح رمزاً للصراع بين السيطرة الذاتية والضغوط الخارجية، وتعكس كيفية إدراك الإنسان لعالمه الداخلي والخارجي.لكن قصة أنغوس وابنه وابن شارلوك هولمز تكشف عن بعد آخر للصراع الإنساني، وهو الصراع مع الوراثة والموروثات العائلية. هذه الدراما تُشير إلى: "كان طبيبه يشتبه في إصابته بالضمور العضلي، لكنه يحتاج لنسختين متحورتين من الجين، ولديه واحدة فقط"، إذ يصبح الجين رمزاً للمصير، وللمسؤوليات التي يحملها الإنسان عبر العائلة والتاريخ الوراثي. الصراع إذاً ليس فقط مع المرض، بل مع إرث عاطفي وجيني يؤثر على قرارات الشخص، ويشكل حواجز أمام الحرية الفردية. الوراثة تتحول إلى أداة رمزية لفهم الذات، وللسؤال عن مقدار تأثير الماضي على الحاضر، وعن مدى قدرة الإنسان على تجاوز القيود المفروضة عليه. فهل نجح المسلسل في إبراز الأمراض الوراثية وارتباطها بعالم الجريمة ؟
في رحلة البحث عن بورتيا أو مورياتي تمثل رحلة الإنسان نحو الحقيقة، سواء كانت طبية أو أخلاقية أو جنائية "لدينا ممتلكات واسعة. لا أظن أنه سيخاطر بعينة شبحية"، إذ يظهر كيف يصبح البحث عن الحقيقة اختباراً للذكاء والإدراك، وكيف أن الوصول إلى الحقائق الدقيقة يتطلب مزيجاً من المعرفة، والحذر، والحدس. الرحلة ليست مجرد كشف للأسرار، بل اختبار للوعي البشري، واختبار للقدرة على التعامل مع الغموض، وصراع بين الظاهر والخفي، بين الظلام والنور الرمزي. فهل الأمراض النادرة في هذا المسلسل هي رمز للتوازن بين السيطرة والفوضى؟ وماذا عن الولاء والخيانة والبعد الأخلاقي في واتسون؟
الأحداث المتعلقة بعلاقات الشخصيات، مثل علاقة ستيفن كروفت ببورتيا، وعلاقة واتسون بجيني، وعلاقة شارلوك بأنغوس، تكشف عن أبعاد رمزية للولاء والخيانة والمسؤولية. إذ تقول "أحببت رجلاً... بعمق. وأنا آسفة لأنني قاطعت تفكيرك، لكن الغرور هو الذي قتل شارلوك هولمز، ليس أنت"، وهذه العبارة تحمل رمزية قوية للصراع الأخلاقي، حيث تتحمل الشخصيات نتائج أفعالها، وتتفاعل مع الماضي بطريقة تؤثر على حاضرها، ويصبح الولاء والخيانة رموزاً للصراع بين الواجب والرغبة، بين المسؤولية والحب، بين الفعل والنتيجة.أما الاستخدام المكثف للتقنية الحديثة في التشخيص والعلاج، مثل العلاج الجيني، وتبريد الدم، وتشخيص الأورام الطفيلية، يمثل رمزية السيطرة على الطبيعة من خلال العلم." نأخذ كل الدم من جسده، ونمرره عبر آلة ونبرده خمسة درجات. هذه المحاولة الأخيرة"، وهذه الصورة الرمزية تعكس عدة صراعات بين الفعل والنتيجة، وتوضح كيف يمكن للعلم أن يصبح أداة درامية تؤثر على مصائر الشخصيات، وتحوّل المعرفة الطبية إلى قوة رمزية للتحكم في مصير الإنسان.أما الملاحظة الدقيقة للتفاصيل، سواء كانت شعر الكلب على الكمان، أو الطفيليات على الوجه، أو يد غريبة، كلها رموز لدقة التحليل والوعي البشري." أنظر إلى النخاع الأبرز. النخاع هو نمط على القشرة. الشعر هو شعر كلب"، ويظهر كيف أن التحليل الدقيق يمكن أن يكشف عن الحقيقة المخفية وراء الظواهر، ويصبح الوعي أداة للتحرر من الغموض والظلم، واكتساب القوة من المعرفة الدقيقة. فهل واتسون بين الطب العلمي والطب الأخلاقي وارتباطهما بالتحقيق الطبي يكشف عن رهان أخلاقي في عصر خوارزمي يمكنه أن يجمع بين ما هو جنائي وما هو طبي بأسلوب شرلوك هولمز ؟
الجميل في هذه الدراما شخصية هولمز تمثل العقل البشري في أقصى درجاته، بينما يمثل مورياتي الفوضى المخططة التي تهدد التوازن وبين هولمز ومورياتي فواصل إلا أنها تجمعهما بين ما هو جنائي وبين ما هو طبي وفي العالم الحديث والزمن الرقمي صلة جعلت من الممكن أن يصبح المحقق الطبي يواجه العقل الشرير الذي يستخدم كل الموارد لمعرفة الأحداث التي تجمع بين الطب والجريمة، مثل اكتشاف الأنماط الوراثية في عائلة هولمز، أو الكشف عن آثار مورياتي في المختبرات السرية ، وهذا يمثل مرحلة متقدمة من التحقيق المزدوج من معرفة سبب المرض وتحليل دوافع الأفعال، وفهم كيف لمرض نادر أو طفرة جينية أن تؤثر على القرارات، وتخلق جريمة محتملة فكل تشخيص طبي هو خطوة نحو كشف الأسرار الجنائية، وكل تحليل جنائي يعتمد على الأدلة البيولوجية والطبية. فهل كاتب هذا المسلسل أراد أن يتوسّع في فكرة مهمة جدا في زمن الخوارزمية أن التحقيق الطبي والجريمة ليسا مجرد أدوات لحل الألغاز، بل هما مرآة للفلسفة الإنسانية، حيث كل تشخيص وكل متابعة جنائية تكشف عن أبعاد أعمق للصراع بين الخير والشر؟
بيروت\لبنان\ الأحد 11 كانون الثاني 2026 الساعة العاشرة والنصف صباحاً
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=901233&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=