العقل الباطن وسوريالية المناظر الطبيعية في أعمال الفنان الأميركي ويل غلوكلي
ضحى عبدالرؤوف المل
تعكس أعمال الفنان الأميركي "ويل غلوكلي" (Will Cloughley) المناظر الطبيعية بمراوغة تخيّلية غير تقليدية، تمنح البصر لذّة الاستكشاف، متغلغلة في العوالم الداخلية الجيولوجية الشبيهة بأجسامنا. وما بين الخارج والداخل يلعب "ويل غلوكلي" على التعقيد السوريالي الذي يجمع بين الطبيعي والمركّب، وبين الأسطورة والخيال دون زعزعة المقاييس، وبموضوعية معتمداً على الأسس الواقعية لتشكيل المساحات، وتحويل المشهد الطبيعي إلى سوريالي، بديناميكية بين التفاصيل والمساحات، وبترابط حسي بين السوريالي والواقعي، بقوة لخلق الإيحاءات القادرة على منح الحلم عدة توقّعات مرتبطة بالواقع الذي تنبثق منه كل هذه التفاصيل التي يزرعها في أعماله المثقلة بالتأثيرات ذات التحفيز البصري، وبالتناقضات المتواجدة من حولنا، التي يمكن تحويلها إلى لوحات ذات قدرة تشكيلية في تصوير يعكس قوة الخيال، بتوجيه من اللاوعي الفني المختزن في النفس. فهل "ويل غلوكلي" يبحث عن المناظر الطبيعية التي تحاكي الحلم الإنساني؟ أم أنه يستكشف الخيال والقوة السوريالية القابعة فيه؟
يبرز الأداء الحقيقي للفنان "ويل غلوكلي" في الآلية التقنية الجمالية التي تسمح بالتوغّل في الواقع السوريالي الخاص به، وكأنه يبحث في مناطق العقل الداخلي عن الغرائب الأكثر قرباً من الواقع، لكن بأسلوب يدمج فيه اللاوعي بالواقع الملموس، لتسليط الضوء على واقعنا الطبيعي، وبفضول استكشافي هو عبارة عن منظورات ومفاهيم لظلال شبحية في قسم منها، ليفتح التأويلات على عدة قراءات، في كل منها تكوينات مختلفة هي أقرب للنفس، لأنها تختصر المشهد أو توسعه ميتافيزيقياً، لتحرير كل شيء من قوالبه الجامدة، ويصبح قاعدة للتأليف، أو الأحرى قاعدة لإنتاجات أخرى متخيّلة، لكن عبر فن سوريالية التصوير الفني. فهل من إبداع جنوني في هذا النوع من الفن، أو أن الأسطورة والخيال هما نتاج من واقع نعيشه ونراه كل يوم؟
يفاجئ غلوكلي حسياً البصر بمتعة اللقطات السريالية، تاركاً المحاكاة للمتناقضات التي تسمح بعدة تجاوزات لحدود الخيال، فاتحاً العقل على متاهات التأثيرات المنبثقة من الضوء والظل، أو الضوء والعتمة، أو اللحظة المفتوحة على تكبير الأشياء أمامنا، لنراها تبعاً للنفس وقدرتها على خلق الأشكال. وبتحليل فني تنجذب إليه الأحاسيس لغرابته، بغموض يكتنف المشهد، وبقوة تساؤلية بعيداً عن قوانين الرسم أو التصوير، بتعديلات هي إحياء اللقطة ببطء شديد، وبواقعية الحلم الداخلي أو الخيال الذي يضع الحدود بين قوسين، أو يحرّر كل شيء من مقاييسه الطبيعية أو أساسيات تكويناته الطبيعية، ليصبح عند غلوكلي هو موضوع فني متعدد الإيحاءات أو متعدد المواضيع، خاصة الطبيعة وجبالها ووديانها، وحتى العمارة وأشكالها التي تتخذ عدة أشكال في العتمة أو الضوء. فهل تختلف الطبيعة في تصوراتنا بين العتمة والضوء، أم أن ما نراه في الليل ليس كما هو عندما نراه في النهار؟ وهل مخاوفنا هي هواجس العقد النفسية التي يتوغّل فيها غلوكلي جيولوجياً في الطبيعة التصويرية بسريالية تهدف إلى اكتشاف النفس وجماليات ما حولنا؟
يتجاوز غلوكلي الأصغر متجهاً نحو الأكبر في اللقطات عبر خياله الخاص دون تكثيف، بل بخلق إبداعي فني بعيداً عن فوضويات السريالية وصخبها المعروف، وبلغة يستنبش من خلالها خياله الفعّال في توليد اللحظة أو التحرّر من الكبت الطبيعي والنظام الكوني دون نفور من الأشياء، بل من خلال إعادة تصويرها، ليثور على النظام الطبيعي لكل شيء نراه من حولنا، وبالتالي ما يمكن التقاطه من حس تخيّلي، كأن تصبح الجبال بشراً أو تصبح الثقوب تجعيدات ضخمة. فهل في الطبيعة تصوّرات يراها العقل الباطن على غير حقيقتها؟
تم نسشره في جريدة المدى عام 2020