الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً

ضحى عبدالرؤوف المل

يطرح القاص أندريه بلاتونوف في قصة روزا سؤالا مقلقاً جداً ومحقاً في آن، وهو كيف يعيش الإنسان حين يُسلب منه اسمه، عقله، ذاكرته، ومعناه؟ فالقصة ليست عن سجن أو امرأة روسية تتعرض للتعذيب، بل رؤية شاملة وتحليل نفسي عن السلطة والطغيان. تبدأ القصة بتوصيف سجن روسلافر الذي يشبه عالم آخريُعاد فيه تعريف الإنسان من الداخل " سجن روسلافر بمن فيه من نزلاء غير أن جدران الزنازين لا تزال تحمل رسائل حفرها هناك من قضى من النزلاء" فالجدران هي لوحات سردية لتجارب إنسانية مبثوثة. فالكتابة على الجدران تصبج ذاكرة الجماعة المحاصرة ووسيلة للبقاء الرمزي في مواجهة الموت اليومي. روزا في هذه القصة تشبه كائن شبه أسطوري" كانت آية في الجمال، جمال باهر يكاد المرء يظن معه أن المحزونين والمنكوبين قد اختلقوها عمداً من وحي خيالهم لتكون لهم مبعث غبطة وسلوى" فالجمال يقبع في الوظيفة الأخلاقية والنفسية لروزا . إذ يصبح أداة مقاومة للخراب النفسي والاجتماعي، وهي تمثل التماسك الإنساني الذي يتحدى الطغيان. إذ أن قوتها العملية والجسدية تتداخل مع جمالها الداخلي، مما يجعلها تهديداً ضمنياً للآلة القمعية. فالقصة تُصوّر التعذيب بطريقة لا تهدف فقط لإثارة الرعب، بل لتفكيك منطق السلطة من الداخل ."أحضروا لروزا زجاجة بيرة مملوءة بالرمل وراحو يضربون بها صدرها وبطنها لكي يقتلوا أمومتها المستقبلية إلى الأبد" فهل ما نقشته روزا بظفرها أو بسن دبوس على الجدار الأزرق حيث صنعت الرطوبة وعوامل الزمن قصة تتكرر في كل زمان ومكان؟ وهل يموت الإنسان حين يُقتل، أم حين يُمحى اسمه وذاكرته؟ وهل الموت الحقيقي هو محو الأثر؟

جدار يحتفظ بالندبة التي حفرتها روزا " أريد أن أحيا الحياة جنة، لكنهم لا يريدون لي أن أحيا. سأموت..أنا روزا" فالجدار هو الفاعل السردي الحقيقي الذي يبقى في ذهن القارىء بما حُفر عليه بالدبوس، فالدولة أو السلطة تقتل الأجساد لكن الجدار يحتفظ بالجروح وبفعل البقاء لكن السجين المجهول الذي كتب كل هذا لأمه اختار الذوبان والتلاشي " فما عاد الاسم شيئاً يحتاج إليه" والأم هي آخر الخيط الذي يربط الإنسان بالعالم أما روزا فهي الشخصية الأكثر وعياً بمصيرها " أريد أن أحيا الحياة جنة" وهذه ليست سذاجة، بل حلم بدائي بالحياة الطبيعية"وهذا بحد ذاته أبلغ اتهام لأي نظام قمعي . فهل يمكن اعتبار هذا أدب ما بعد المحو؟ وهل تفادى آندريه السقوط في الميلودراما في هذه القصة؟ وهل يمكن اعتبار القصة نقد سياسي بالغ الذكاء؟ أم قصة بيروقراطية باردة؟

يرفعنا أندريه بلاتونوف من أدب السجون إلى تأمل فلسفي في معنى النجاة وحتى يجذبنا نحو الفضيحة الزمنية بسؤال يتبادر إلى ذهن القارىء عن روزا التي "أوشكت أن تبلغ عامها التاسع عشر" وهو رقم يمثل بداية الحياة حيث لا خبرة سياسية ولا سلطة ولا خطر حقيقي، فلماذا تُسجن هذه الكتلة من الحياة ؟ وهل فعلا كانت تعرف كيف تروّض عصا قلبها؟ وهل روزا فعلا هي مغزل حرب بأكملها؟

عمق وجرأة في قوله " وجد الألمان أن الحياة تصبح فاقدة للمعنى دون ممارسة السلطة" وهذا قول نابض بالفلسفة والطغيان فهم لا يريدون الموت الجماعي بل يريدون حياة ناقصة مستمرة والسلطة لا تُمارس على الموتى والهدف الحقيقي من بقاء روزا على قيد الحياة هي "أن يعيشوا أنصاف حياة" فالهدف ليس القتل بل تحويل البشر إلى كائنات قلقة وعقول بلا منطق وهذا ينطبق على الأنظمة القمعية بمجملها فلقب السجناء للجلادين ب"سادة العالم الآخر" يمكن تأويله بأنهم متحكمون بالحياة والموت وهم منفصلون أخلاقياً عن عالم البشر أي هذا العالم الآخر ليس الآخرة بل عالم بلا ضمير كما أن السلطة لا تكتفي بالسيطرة على الحاضر، بل تريد تجفيف الاحتمال البيولوجي نفسه، ومن خلال تفاصيل التعذيب القاسية في القصة من زجاجة مملوءة بالرمل لقضبان مرنة لكابل كهربائي نكتشف أن الحداثة نفسها تُستخدم ضد الإنسان، وجسد روزا ما هو إلا جسد الأمة وما " وما سمّوه فستاناً جديداً ما هو إلا أداة سحق بسادية ساخرة والكاتب لا يشرح السخرية بل يتركها لصفع القارىء أو استنزافه كما استنفزت روزا طاقة الجميع فهي لم تقاوم لم تنتصر ولم تهرب ووجودها بحد ذاته هو عبء على آلة القمع وهو بما معناه أن تُرهق الظلم بمجرد بقائك . فهل في سؤاله " ماذا كان على الألمان فعله بعد ذلك هو يسأل ضمنياً ماذا حين تفشل كل أدوات القمع هل ينكشف خواء السلطة؟

يصبح الشر مسألة تقنيه عند هانز السريع، فهانز ليس سادياً تقليدياً بل الشر فيه يصبح مهارة مهنية كونه يتقن الروسية ويعرف المجتمع السوفيتي يجعله أكثر خطورة لأنه لا يعذب الجهلاء بل يفكك الإنسان من الداخل . إذ ينتقل الطغيان من القتل إلى هندسة وجود فاعلة في اللعب بها والهدف منها جعل الإنسان بلا معنى، بلا أمل، بلا نهاية رحيمة وهذا بحد ذاته أخطر من الإبادة " كيف يمكن صياغة كيان بشري بحيث لا يحيا ولا يموت؟" وجملة أخرى قاسية في معنى التلاعب بالوجود الإنساني "قتلها لن يكون مجدياً" فالطغيان الأعمى يحسب، يوازن، يختار الأسوأ أخلاقياً لا الأسهل عملياً والمفارقة المذهلة في كل هذا أن الموت يولّد الشفقة، والشفقة تولّد الجرأة بينما نصف الحياة يولّد الرعب المُستدام ونصف الحياة هو الأنسب في ذروة قصصية تثير الدهشة، فنصف الحياة تعني إدراك بلا معنى ورؤية بلا فهم ووجود بلا غاية وهذا يجعل روزا أداة رعب حيّة لا تحتاج أن تتكلم ولا أن تُظهر جراحها فمجرد وجودها يكفي" فهل هذا يجعلنا نشعر أننا داخل كابوس مع روزا ونسأل بأسى أين هي روزا؟ هل قُتلت دون موت؟

لكن يبقى السؤال الحقيقي ماذا يحدث لو تحررت روزا من كل هذا ؟ وهل حين ركضت نحو حقل أعشاب طويلة " هو المشهد الوحيد في القصة التي تتحرك فيه روزا بإرادتها الكاملة بلا أوامر بلا يد تقودها والركض بشكل رمزي هو اندفاع نحو المدى وهي لا تعرف أن الحقل ملغم لكنها لا تعرف أنه مفتوح وجملته " كان الحقل ملغماً" هذه ليست مفاجأة سردية، بل حقيقة العالم منذ البداية فالحقل يبدو واسعاً لكنه مفخخ ليس للجميع والسلطة لا تحتاج أن تطلق يكفي أن تتركك تركض وبالنهاية روزا لم تمت حين أرادو ولم تعش كما أرادو ولم تتصرف وفق السيناريو فوجودها حيّة في ذلك المدى هو خلل في النظام وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث للجلاد، فأقسى أشكال القهر ليس في قتل الإنسان جسدياً بل في سلبه معناه وكيانه وذاته، ومع ذلك يظل الإنسان قادراً على المقاومة الرمزية، على الحفاظ على وعيه الداخلي، وعلى البحث عن الحرية حتى في أقسى الظروف. فهل الحياة بلا معنى تصبح أشد قسوة من الموت نفسه ؟

الجمعة في 16كانون الأول 2026 الساعة الثانية عصراً

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=901923&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=