هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية بحثاً عن ألاسكا؟

ضحى عبدالرؤوف المل

يطرح "جون غرين " في روايته "بحثاً عن ألاسكا " الصادرة عن "شركة المطبوعات للنشر والتوزيع " تساؤلات مثيرة ومستفزة للقارىء أبرزها، لماذا الرواية لا تمنح خلاصاً تقليدياً ؟ ولماذا الألم ليس مرحلة عابرة؟ الرواية مؤلمة لأنها ترفض البطولة والحكمة الجاهزة مع الحفاظ على حيرة القارىء. فبطلها مايلز يتعلم أن العيش مع التيه هو شكل من أشكال النضج. "والربما العظيمة" ليست وعداً بل مجازاً عن الشجاعة في مواجهة اللايقين. والكلمات بداية ليست عن الموت...بل عن الحياة. إذ يقول مايلز" نقطة ضعفي...الكلمات الأخيرة التي تُقال قبل الموت " فهو لا يحفظ الموت، بل يحفظ اللغة عند حدودها القصوى. فهل يبحث مايلز كيف عاشوا حتى استطاعو أن يقولوا ذلك؟ ولماذا هذا الهوس مرضي ظاهرياً وصحيح فلسفياً؟ ولماذا مايلز لا يريد أن يصل، بل أن يكون جديراً بلحظة النهاية.؟

يكشف سلوك مايلز عن حاضر سطحي يتميز بالأحاديث الفارغة والمجاملات الاجتماعية "كيف كانت عطلتك" فبينما الجميع يتحدث كي يملأ الصمت، مايلز يصغي لما يُقال حين يصبح الصمت حتمياً ، لكن ما بين اختبار الصدق عند إبسن والكلمات الأخيرة ضد الوهم الأمريكي يكتشف القارىء أنه ما بعد الحادي عشرة من سبتمبر ثقافياً كل شىءأصبح له معنى وكل نهاية يمكن تبريرها والألم مرحلة لكن الكلمات غالباً ناقصة أو ساخرة أو حتى صامتة وتفكك وهم "النهاية المشرفة" فالموت لا يُنقذ لا يُكمل ولايمنح حكمة تلقائية ومايلز يريد حياة لا تحتاج الموت كي تُمنح معناها، لأنه يعوّض عجزه عن عيش الحياة، بامتلاك نهايات الآخرين. وهذا ما يجعل رحلته لاحقاً مأساوية لأنه سيتعلم أن الموت لا يُحفظ ولا يُختزل في جملة. فهل تحويل الموت إلى اقتباس هو شكل من أشكال الهروب؟ وهل النضج الحقيقي سيأتي عندما يتوقف مايلز عن البحث عن الجملة ويبدأ بتحمل الفراغ الذي يليها ؟

ربما أكثرت من التساؤلات لكن لا يمكن للقارىء أن يتوقف عن التساؤلات وهو يقرأ عن مايلز في البحث عن ألاسكا، فالرواية ليست رومانسية، كما ليست فلسفة جاهزة وأيضاً ليست تمجيداً للموت بل هي محاولة يائسة لإيجاد صدق نهائي في عالم ملىء بالحوارات الكاذبة ومايلز لا يعشق الموت، بل يخاف أن يعيش حياة لا تستحق أن تُختتم بكلمة صادقة والكولونيل تشيب يتقن العنف كلغة اجتماعية الذي يقبله مايلز كاعتراف مشروط بالانتماء، ففي هذا العالم يجعلك جون غرين إما أن تتحمّل الإهانة مع مايلز أو تبقى خارج الدائرة. مما يُشعر القارىء بالأسى، فالكولونيل يضع القانون الأخلاقي الأهم في الرواية " مهما حدث لا تشِ" وهذا أخطر من كونه عرفاً مدرسياً ومرة أخرى يثير غرين زوبعة من التساؤلات. هل هذا القانون نظام عدالة مواز؟ أو يشرعن العنف ويمنع الضحية من الكلام ؟ وهل الألم الذي لا يُروى يتحول لاحقاً إلى ذنب أو انفجار؟

قد يسأل القارىء أين ألاسكا من كل هذا ؟ لكن في الحقيقة ألاسكا ليست " فتاة أحلام " بل قوة اضطراب وصفها الجسدي طويل ومفرط، ولكن مايلز لا يرى جسداً فقط بل اكتشافاً معرفياً متأخراً، هو لا يفهم الجسد الأنثوي بوصفه رغبة، بل بوصفه كشفاً فجائياً لمعنى لم يكن يعرفه، فالانحناءات ليست إيروتيكية فقط بل هي إدراك أن للعالم طبقات لم ينتبه لها وأن الحياة ليست أفكاراً وكلمات أخيرة فقط كما أن ألاسكا تُشكل النقيض لمايلز هو يبحث عن معنى عند الموت وهي تبحث عن معنى في الاندفاع وسؤال ألاسكا " هل المتاهة هي الحياة أم الموت" ليس سؤالا فلسفياً بريئاً، بل إعلان عن ارتباك داخلي عميق وعجز عن تحديد مصدر الألم والأخطر من كل ذلك ألاسكا لا تسأل لتجد جواباً بل للتتأكد أن لا أحد يملكه. فهل الاتفاق بين مايلز وألاسكا هوعقد مأساوي؟ هو يبحث معنى المتاهة وهي تبحث له عن صديقة، لكن هذا الاتفاق غير متكافىءلأنه يبحث عن خلاص وهي تهرب من ذاتها. فهل هذا وعد مؤجل بالفشل؟ وهل البحيرة بعد ذلك هي رحم معكوس عند إغراق مايلز وهو مقيد؟

صورة ولادة قسرية بلا إرادة وبلا حماية واللافت أول ما يخطر بباله وهو يغرق الكلمات الأخيرة. إذ حتى وهو في مواجهة الموت لا يفكر بالنجاة بل بالجملة التي ستقُال عنه وهذا يكشف عن عجز عميق في عيش اللحظة وارتهاناً كاملاً للمعنى المؤجل. فالكاتب لا يريد ضحية تقليدية وينصدم القارىء بمايلز الذي لا يبكي ولا يصرخ ولا يقبل الأمر ببرود وهذا البرود ليس قوة بل انفصال عاطفي والمفاجأة الأكبر للقارىء رد فعل ألاسكا " لدي مشاكل حقيقية ...لست أمك"ورغم أنها صادمة للقارىء لكنها صادقة فألاسكا لا تستطيع إنقاذ أحد، لأنها غارقة في متاهتها الخاصة، وبهذا تكسر صورة المنقذة، لأن ألاسكا ليست منقذة ولا خلاصاً هي مرآة ومرة أخرى يجعلنا غرين أمام مرآة الحقيقة في أنفسنا لا جملة أخيرة قادرة على إتقاذ أحد . فهل مايلز مراهق ذكي ، خجول، ساخر أم اللغة ترفعه إلى مستوى كاتب متأمل ناضج " كنت عموماً أدرك كُنه العبقرية الكامنة في الكلمات الأخيرة لشخص ما "؟ وهل كل هذا أثقل من وعي الشخصية ؟ وهل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟

مايلز، بعد موت ألاسكا، لا يدخل في حداد تقليدي، بل يغرق في التفاصيل الصغيرة مثل نسبة الكحول، المسار، المكابح، المكالمة، ما الذي نسيته؟ هذا السلوك يعكس ما يسميه ميلان كونديرا "خفة الوجود التي لا تُحتمل" حين يصبح المعنى هشاً، يتشبث العقل بالتفاصيل بوصفها بديلًا عن الحقيقة الكبرى. التحقيق ليس بحثاً عن العدالة، بل عن البراءة. مايلز لا يريد أن يعرف ماذا حدث بقدر ما يريد أن يعرف إن كان مذنباً دوستويفسكي، في "الإخوة كارامازوف"، يقول إن "كلنا مسؤولون عن الجميع"، والرواية تستعير هذا المبدأ دون أن تعلنه. فمايلز والكولونيل لم يدفعا ألاسكا إلى الموت، لكنهما أيضاً لم يمنعاها.وهذه مشاركة غير مقصودة. وهذا ما يجعل الذنب غير قابل للتكفير.فهل نحن لا ننكسر حين نفقد من نحب، بل حين ندرك أننا لن نعرف أبداً قصتهم الأخيرة كاملة. وأن النجاة ليست انتصاراً أخلاقياً، بل عبئاً وأن الحب، مهما كان صادقاً، لا يمنح مقاومة الندم فيما بعد؟

القوة على الاحتمال هي المسعى الحقيقي للبحث عن ألاسكا، فالرواية تقول إن اللإنسان لا يتألم لأنه لا يفهم الحياة، بل لأنه يصرّ على أن يكون للحياة معنى مكتمل، واضح، وقابل للاختزال.والنضج هو أن تتوقف عن طلب جواب لا وجود له، وتختار أن تعيش رغم ذلك بصدق. فالرواي بدين وذكي، متأمل، وحساس، يعاني من صراع داخلي بين رغباته ومبادئه. يتصف بالولاء والحنان، لكنه أحياناً يفتقر إلى الشجاعة للتعبير عن مشاعره الحقيقية. فالرواي هو العدسة الحقيقية من خلاله نرى الصراعات اليومية والتطور النفسي العميق . أما ألاسكا يونغ، فهي تجمع بين الغموض والجاذبية والذكاء. تتميز بروح مغامرة وجرأة، لكنها تخفي خلف هذا الغموض ضعفاً نفسياً وحاجة للانتماء والحب. أما أفي السيطرة على المواقف وإدارة علاقاتها،لعابها مع الراوي تعكس رغبتها في السيطرة على المواقف وإدارة علاقاتها، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن ضعف عاطفتها. أما الكولونيل وتاكومي يمثلان الجانب العقلاني والتوجيهي في الرواية. حيث يحاول الكولونيل إرشاد الراوي وتاكومي يعمل كصديق ومرشد ثانوي. وجودهما يضفي توازناً بين الطرافة والفلسفة العميقة . فهل بعد كل هذا يمكنني القول أن الصراع الداخلي للراوي يظهر بوضوح من خلال لحظاته مع ألاسكا، حيث يتأرجح بين الانجذاب العاطفي والحذر، وبين الولاء لاصدقائه واحترام القيم الأخلاقية ؟ أم أن صراعه مع نفسه يعكس الانتقال من البراءة المراهقة إلى وعي أكبر بالمسؤولية ؟

مايلز، بعد موت ألاسكا، لا يدخل في حداد تقليدي، بل يغرق في التفاصيل الصغيرة مثل نسبة الكحول، المسار، المكابح، المكالمة، ما الذي نسيته؟ هذا السلوك يعكس ما يسميه ميلان كونديرا "خفة الوجود التي لا تُحتمل" حين يصبح المعنى هشاً، يتشبث العقل بالتفاصيل بوصفها بديلًا عن الحقيقة الكبرى. التحقيق ليس بحثاً عن العدالة، بل عن البراءة. مايلز لا يريد أن يعرف ماذا حدث بقدر ما يريد أن يعرف إن كان مذنباً دوستويفسكي، في "الإخوة كارامازوف"، يقول إن "كلنا مسؤولون عن الجميع"، والرواية تستعير هذا المبدأ دون أن تعلنه. مايلز والكولونيل لم يدفعا ألاسكا إلى الموت، لكنهما أيضاً لم يمنعاها.وهذه مشاركة غير مقصودة. وهذا ما يجعل الذنب غير قابل للتكفير.فهل نحن لا ننكسر حين نفقد من نحب، بل حين ندرك أننا لن نعرف أبداً قصتهم الأخيرة كاملة. وأن النجاة ليست انتصاراً أخلاقياً، بل عبئاً وأن الحب، مهما كان صادقاً، لا يمنح مقاومة الندم فيما بعد؟

بيروت لبنان الأربعاء في 21 كانون الثاني 2026الساعة الرابعة والنصف مساء

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=902678&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=