سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
ضحى عبدالرؤوف المل
ينقلنا مسلسل فتاة مخطوفة Girl Taken وهو من كتابة مارك ساندرسون Mark Sanderssonومن اخراج بولا آل PaulaElle من دفء العلاقات العائلية الظاهرية إلى توتر تربوي-عاطفي مكتوم، حيث تتقاطع سلطة الأم مع رغبة الابنة في الاستقلال.إذ يرسّخ شخصية أمّ تسعى للسيطرة والتنظيم، وتريد أن يكون كل شيء تماماَ كما يجب. هذا الميل للكمال ينعكس لاحقاً في موقفها من رحلة ابنتها. فالأم تعتمد على الحجج الزمنية والأخلاقية (قِصر مدة العلاقة، عدم معرفة الأهل). أما الابنة تعتمد على تبسيط الأمر مجرد عطلة نهاية أسبوع.كلاهما لا يناقش الخوف الحقيقي، فالأم تخاف فقدان السيطرة.الابنة تخاف عدم الاعتراف بنضجها. وقول الأم أنا أحبك لا تحل الصراع، لكنها تغلق المشهد عاطفياً. فالحب ليس حلًا، بل هدنة، ووسيلة لمنع الانكسار داخل لحظة احتفالية يفترض أن تكون سعيدة.فالكاتب يضعنا أمام صراع أجيال هادئ لكنه عميق في أدب المراهقة ومعالجته من حيث خوف الأم التي تُربي ولدها وحدها . فنرى أمومة قائمة على الحماية لا الثقة ابنة على عتبة الاستقلال ومشاهد تعتمد على اللا-مُقال أكثر مما يعتمد على التصريح، حيث تتحول حفلة عيد الميلاد إلى مسرح لأسئلة أكبر هي متى يصبح الحب ثقة؟ومتى تتحول الحماية إلى قيد؟ وهل الأم هي صوت العقل المزعج لابنتها؟
ليست الحكايات التي تبدأ بالاختفاء سوى مرايا مكبّرة لمجتمعٍ ما، ولا تكون قصص الفتيات المفقودات، في جوهرها، بحثاً عن جسد غائب بقدر ما هي بحث عن ذاتٍ جرى انتزاعها تدريجياً تحت مسميات شتى منها الحماية، الحب، الأسرة، الخوف. إن قصة روزبما تحمله من عناصر الخطف، التلاعب النفسي، الأمومة القلقة، والنجاة المؤلمة ! لا يمكن قراءتها بوصفها حكاية جريمة فقط، بل بوصفها نصاً درامياً عن العنف الناعم، ذلك العنف الذي لا يترك كدمات واضحة، لكنه يعيد تشكيل الوعي والاختيار. فهل يتقاطع القلق العائلي أو التربوي إن صح القول مع انكسار التجربة الأولى للحب، ويتحوّل الاحتفال إلى مسرح خسارة هادئة؟
منذ المشهد الأول، تتأسس الدراما على توتر مزدوج توتر خارجي تمثله البلدة الهادئة، العائلة، عيد الميلاد، والروتين اليومي، وتوتر داخلي تمثله روز نفسها، فتاة على حافة المراهقة المتأخرة، محاصَرة بين أمٍ تخاف الفقد بعد موت الأب، وعالمٍ خارجي يعدها بالحب ثم يسحب الوعد فجأة. هذا التوتر هو ما يجعلها قابلة للاختطاف، لا جسدياً فقط، بل نفسياً، لأن الاختطاف لا يبدأ بالقتل، بل يبدأ حين يُقنعك أحدهم أن الخارج أخطر من الداخل. ولا يظهر بيرّي بوصفه شريراً تقليدياً، بل بوصفه نتاجاً لسلسلة طويلة من اختلالات السلطة. إنه لا يخطف روز ليؤذيها فوراً، بل ليعيد تشكيلها، ليعرض عليها بديلًا عن العالم، فالعيش في المزرعة، هي عائلة بديلة، قواعد خفيفة، وأمان مشروط بالطاعة. لكن يشعر المشاهد أن الجريمة ليست حدثاً منفصلًا، بل نظاماً كاملًا يعيد تنظيم حياة الضحايا ومن حولهم. فهل كل مشهد في هذا المسلسل ليس حدثاً استثنائياً، بل تجربة مألوفة في بيوت كثيرة؟
الحب بين الأم والابنة يبقى، لكنه مشحون باللوم والغضب المؤقت. إذ يعكس االكاتب التوتر بين الرغبة في الانفصال العاطفي والاحتياج للأمان العاطفي. والأخطر في بيرّي ليس عنفه الجسدي، بل لغته. التي تلبس ثوب العقلانية، كقوله "أنتِ لم تهربي لو كنتِ سعيدة"، "أمك تخاف استقلالك"، "نحن نمنحك فرصة". هذه اللغة هي ذاتها التي تحللها سوزان كايزن بوصفها لغة السلطة التي تقنع الضحية أن مشكلتها ليست في النظام، بل في رغبتها بالحرية. هكذا يصبح الأسر اختياراً خاطئاً من الضحية، لا جريمة من الجاني. بيرّيي ُمثل شخصية السيطرة المطلقة ولغته مليئة بالأوامر"اهدئي علينا أن نغادر الآن "وهو يربط الحب بالامتلاك و" أنتِ والطفل أهم شيء في العالم" وهذا تبرير نفسي للعنف والسيطرة باسم العائلة. وتكرار عبارة "سنأخذها معنا"ليس تأكيداً فقط، بل هوس امتلاك. فهل ورث بيري العنف، ثم نظّمه، ثم جعله قانوناً داخلياً للأسرة؟
أما داني، فهي الشخصية الأكثر مأساوية وتعقيداً وتُمثل التبعية والخوف. إنها لا تقف في موقع الشر ولا البراءة، بل في المنطقة الرمادية، فهي ضحية سابقة لإساءة أبوية، ثم ضحية رجل أعاد إنتاج نموذج الأب المتسلط تحت اسم الحماية. قبولها بما يحدث لروز ليس نابعاً من قسوة، بل من خوف عميق من خسارة النظام الوحيد الذي منحها إحساساً ولو زائفاً بالأمان. في هذا المعنى، تذكّرنا داني بشخصيات كثيرة فد الكثير من المسلسلات الدرامية حيث يتحول الألم غير المعالج إلى بنية حياة كاملة.
في المقابل، تمثل الأم نموذجاً آخر للعنف غير المقصود مثل عنف الخوف. إنها أم فقدت زوجها، وتخشى أن تفقد ابنتها، فتشد الخناق باسم الحب. هذا النموذج من الأمومة، الذي ناقشته أدبيات كثيرة، من بينها أعمال نوال السعداوي عن الأمومة القلقة، لا يصنع الأمان بل يوسّع الفجوة بين الأم والابنة، ويدفع الابنة للبحث عن اعتراف بديل، حتى لو كان ساماً. لذلك، حين تقول روز في النهاية: "أنا فقط أريد أن ألتقي بأمي"، فهي لا تطلب حماية، بل تطلب علاقة جديدة، خالية من دور الضحية والمنقذة.
التحقيق الجنائي في العمل لا يُقدَّم بوصفه بطلًا، بل بوصفه آلية بطيئة، غير مكتملة، وأحياناً عاجزة. هذا خيار درامي واعٍ، فالقصة لا تريد أن تمنحنا وهم أن العدالة تعيد الزمن إلى الوراء ، تبقى العدالة هنا إجراءً ضرورياً، لا شفاءً كاملًا. الشفاء، إن حدث، يحدث في الجسد أولًا، حين يُعاد تعريف معنى الأمان، ثم في اللغة، حين تستعيد روز قدرتها على القول: لا.
أما النهاية، بقبول الجامعة، ليست خاتمة سعيدة بالمعنى التقليدي، بل خاتمة أخلاقية. الجامعة هنا ليست مؤسسة تعليمية فقط، بل رمز للانتقال من موقع التي يُقرَّر عنها إلى موقع التي تقرر. إن قول الأم: "أنتِ قادرة وستتعاملين مع ما يأتي" هو اعتراف متأخر باستقلال ابنتها، واعتراف بأن الحماية الحقيقية ليست المرافقة الدائمة، بل الثقة.
ما يميّز هذه الحكاية عن كثير من الأعمال المشابهة هو رفضها للتبسيط الأخلاقي. لا أحد شرير بالمطلق ولا بريء بالمطلق، باستثناء الضحية في لحظتها الأولى. الجميع يتحرك داخل منظومات خوف، فقد، ورغبة في السيطرة أو النجاة. ولذلك، فإن المسلسل لا يدين الأفراد بقدر ما يدين البنى: بنية الأسرة غير المتوازنة، بنية السلطة الذكورية، وبنية المجتمع الذي لا ينتبه إلا بعد أن تختفي الفتاة. وأخطر فكرة في العمل كله هو أن بيري لم تكن تعلم أن والدها ميت، وهذا التفصيل مرعب لأنه يكشف كم كان بيري يسيطر على المعرفة نفسها.الحقيقة كانت مُدارة، لا مخفية فقط.السيطرة لم تكن جسدية فقط، بل إدراكية.
تحتفظ هذه الدراما بفرادتها لأنها لا تكتفي بسرد تجربة الأسر، بل يتابع أثرها الأخلاقي والنفسي بعد النجاة. إنها دراما عن الخروج من القفص دون إنكار أن القفص سيبقى في الذاكرة، وعن أن الحرية ليست حدثاً، بل ممارسة يومية تبدأ بقرار بسيط أن أختار، ولوشعرت بالخوف.
وهكذا، لا تنتهي القصة حين تعود روز إلى بيتها، ولا حين يُقبض على الجاني، بل حين تقف على أعتاب مستقبلها، وتفهم – كما تقول فرجينيا وولف – أن "الحرية الحقيقية لا تُمنح، بل تُنتزع من داخل الوعي". في تلك اللحظة فقط، تتحول الضحية إلى ذات، والحكاية إلى معنى. فهل الشر كُشف… وهذا كافٍ لتبدأ النجاة فعلا عند المراهق؟ أم أن المسلسل برغم أنه لم يحصد عدد مشاهدات يهدف إلى توعية الأم تحديداً والمراهق عندما تكون العائلة دون أب ؟
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=903337&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=