الحكم الجمالي والأعمال الدرامية
ضحى عبدالرؤوف المل
الدراما والبوح بالواقع والحقيقة المطلقة لمشكلات الحياة نواهيها وطرقها التي يصوغها الكاتب عبر العناصر الجمالية للمشهد وللحوارات والعلاقات المنتظمة بين الشخوص مع الاحتفاظ بالتقاطع الذي يحافظ على قيمة المشهد، والغنى الذي يشكل الهدف عبر تقنية العفوية المطلقة في الأداء المرتبط بعمق النص الدرامي والتصاقه بالواقع من خلال عدة أساليب وطرق ترتكز على معايير فنية متعددة عبر الخصائص المكتملة في العمل الفني ومذاهبه وخصائصه البنيوية، فالحكم الجمالي يتعلق عادة بهارموني الأشياء، أو كما يقال: السينما هي موسيقى الضوء. بمعنى الحس الإيقاعي بالجمال، كذلك في الدراما بشكل عام أي سينما مسرح وتلفزيون وموسيقى الإيقاع الدرامي الخاص بهم. والذي يعتمد على توزيع الكتلة في الفراغ أو الميزانسين بغض النظر عن الأدوار الاستثنائية البعيدة عن السياق. فهل الحكم الجمالي على الأعمال الدرامية هو عبر الإيقاع البصري والصوتي؟ وهل تتر مسلسل للموت استقطب المشاهد لسرياليته وبعده عن الواقع. لاتساقه البصري ولسرياليته البصرية المحبوكة بفن بليغ للدخول إلى لب النص بعمق فني تناغم مع التتر، صوتاً وموسيقى ورقصاً واختزالاً سريالياً. وهل يجب أن ينسلخ الفن عن الحواجز الوهمية للأعراف والموروثات والالتزام بالقيم الإنسانية؟ وهل قضية أطفال الشوارع تتلاقى مع الكثير من القضايا التي طرحها مسلسل (للموت) وهو للكاتبة (نادين جابر) وللمخرج (فيليب أسمر) ومن بطولة (دانييلا رحمة)، وهل يمكن تنفيذ الحكم الجمالي على الأعمال الدرامية التي باتت تميل إلى العنف أكثر من الرومانسية؟ وهل نحن في عصر نحتاج فيه إلى العودة الرومانسية؟
ترتبط كلمة الدراما بالمعنى الميلودرامي للكلمة ومعانيها المختلفة التي تفتح الآفاق نحو الحركة الفاعلة للشخوص أو للنص الذي يفرض موضوعاً معيناً يعالج فيه القضايا الإنسانية بالدرجة الأولى، ومن ثم بقيمة دراما الموسيقى التصويرية، وتخيلاتها وقوة محاكاتها للفعل الدرامي والتوترات الدراماتيكية المرافقة للأداء الذي يثير الحس الجمالي عند المشاهد، فيمسكه ويضعه أمام الحدث بوتيرة تنطق بالتفاصيل الدرامية، وانعكاساتها الجمالية التعبيرية التي تلعب دوراً مهماً في تحليل المشاعر أو التعاطف مع كل مشهد أو النفور منه أو حتى الغيظ منه أو حتى قدرته على الإمساك بالمشاهد، كما هي الحال في كل أفلام هيتشكوك دون استثناء، والذي استطاع خلق ميزة درامية في التصوير والإخراج، واستخراج مفهوم الدراما من اللعب بالأحاسيس لخلق الكثير من التعاطف مع أبطال احتفظ بهم في مخيلة المشاهد من خلال اللقطة الدرامية المحاكية للنص بالفعل والحركة، وبقدرة على تصوير الخوف الناتج عن ردات الفعل، بغموض أشبه بفتح الفضاءات على صيغة درامية تتكون تلقائياً أمام المشاهد. فهل استطاع هتشكوك تكوين دراما خاصة بابتكار إخراجي ما زال يحمل بصمة جمالية حتى الآن، وهل يمكن الحكم على جمالية أعماله من فنه الخاص الذي تمتع به وبميزة التصوير الضوئي أو الاعتماد على الضوء في تكوين المشهد الدرامي، وضمن رؤيته الذاتية الإخراجية المرتبط بقيمة النص الدرامي وقدرة ترجمته إخراجياً وحتى سيكولوجياً. وهل الخطاب البصري في أعمال الفنان هتشكوك هو قوة درامية مثيرة للغاية؟ وهل يمكن الحكم على جمالية أعماله وفق الأصول الدرامية ومعانيها؟
ربما الحكم على جمالية الدراما يحتاج إلى أداة فنية عقلانية تمتلك الحس الفني، والقدرة على فهم التحولات الزمنية. لأن الشكل الدرامي هو أداة لفهم المجتمعات، ويؤثر على استقرارها بل وعلى رؤيتها بشكل إيجابي. لتصحيح القيم الإنسانية، كما لا يمكن تجاوز قواعد الدراما تحت مسمى حرية الفن، ولا ينبع الحكم على جمالية الدراما من بعدها عن المفاهيم الإنسانية التي يجب التمسك بها في الأعمال الدرامية التي ابتعدت في كثير منها هذا العام عن العقلانية الحياتية وقوة الرؤية المجتمعية فيها لصالح الاعتماد على الفتوة والقتل، والعنف غير المبرر كما في مسلسل (اللي مالوش كبير) وغيره. فقراءة المجتمعات من الأعمال الدرامية تنعكس على قراءة السلبيات ضمن الدراما التي شاهدناها بالموسم الرمضاني بعيداً عن الواقع الذي برز بعضه في مسلسل 2020 للفنانة (نادين نجيم) وللمخرج (فيليب أسمر) بغض النظر عن مسلسل (حرب أهلية) للفنانة يسرا والتفاوت في قصة نفسية مبنية على العقد النفسية أكثر من العقد المجتمعية التي يجب معالجتها بمنطق اقترب منه مسلسل (لعبة نيوتن) والارتكاز على الفعل ورد الفعل، والقدرة على كشف بناء الشخصيات الموجودة في مجتمعاتنا، وضمن قصة تشابكت عناصرها الدرامية، واستطاعت فرض جمالية خاصة لنص درامي يمكن اعتباره أقوى من الإخراج رغم أهمية الفنانة منى زكي وقوة الأداء التمثيلي الذي تتمتع به، وهي التي غادرت بلدها ليحصل مولودها على جنسية أمريكية في بلد تجهل قوانينه ومجتمعه بل وحتى التعامل مع المشكلات فيه. فهل نستطيع الحكم على جمالية الدراما في الموسم الرمضاني هذا العام؟ وهل يمكن إحصاء السلبيات والإيجابيات في كل الأعمال للحكم عليها؟ ومتى يمكن القول إن الحكم على جمالية الدراما يحتاج لمصداقية واعية في الفن؟
تعاني الأعمال الدرامية من شح النصوص الروائية فيها، والقدرة على إحياء الشخوص الروائية من خلال التمثيل أو الأداء الدرامي الذي يتفاعل بشكل مرئي أمام شريحة كبيرة من المشاهدين، كما في مسلسل (بين السما والارض)، والمأخوذ عن رواية (نجيب محفوظ) ومن بطولة (هاني سلامة) والفنانة (درة) وسيناريو وحوار (إسلام حافظ) وقد سبق وتم عرضه كفيلم سينمائي عام 1959 وكان من بطولة (هند رستم) و(عبدالسلام النابلسي) وإخراج (صلاح أبو سيف) وبين العملين قصة واحدة. إلا أن الفيلم خاطب الزمن مجتمعياً والمسلسل خاطب أيضاً الزمن بتقنيته، وقدرته على إبراز الآفات التي نعاني منها في العصر الحديث، وعبر الانفتاح على شبكات التواصل الاجتماعي وضمن الأداء التمثيلي الذي تميزت به الفنانة سوسن بدر. وبما أن القصة هي للأديب المصري (نجيب محفوظ) فقد وضعتنا وجهاً لوجه أمام مشكلاتنا رغم الفوارق الزمنية بين زمنية النص الروائي وبين السيناريو الذي اهتم به ليواكب العصر السيناريست (إسلام حافظ) إلا أنه جمالياً استطاع الحفاظ على توازنات العناصر الدرامية فيه رغم إشكالية الحكم عليه جمالياً، وضمن مقارنته بالفيلم. فالأول تم عام 1959 والثاني كمسلسل عام 2021 وبين الأول والثاني قصة واحدة هي المعاناة الاجتماعية لأفراد حجزهم المصعد لفترة جعلتنا نرى أنفسنا بينهم بتنوع حمل قوة درامية احتلت مركزاً مهماً رغم صعوبة الحكم الجمالي على العمل الدرامي بشكل عام. فهل غياب النصوص الروائية عن الدراما هو غياب لكتاب سيناريو ابتعدوا عن الأعمال الروائية؟ ومتى يمكن تصحيح رؤية الحكم الجمالي على الأعمال الدرامية من النص إلى الإخراج دون أن ننسى أهمية الموسيقى التصويرية ودورها الدرامي في تغذية المخيلة؟
تطورت الأدوات الدرامية في هذا العصر. إلا أننا مازلنا في فن التأليف الدرامي نعود إلى أول كتاب الدراما من الفلاسفة وغيرهم على الرغم من الزوابع الجمالية التي تعرضت لها الدراما منذ أول نشأتها، وحتى محاولات تطويرها في تمثيل الأفعال عبر الأداء العفوي للحصول على تجربة خيالية للنص المصقول بعمق درامي لا يفلت من سيطرة الكاتب، ولا الممثل ولا المخرج، وعبر الأحداث الحقيقية ذات التأثيرات القوية التي تتطلب الكثير من ردود الأفعال مقارنة بالفن الملحمي الذي يحمل في طياته رؤية درامية تتمثل بتاريخ تناقلته الأجيال، وبأحداث انحفرت في الذاكرة، وقد بدا العمل الملحمي الذي قدمه الممثل (محمد رمضان) في مسلسل (موسى) وقد كتبه (ناصر عبدالرحمن) وأخرجه (محمد سلامة) وتدور أحداثه في قرية من القرى المصرية في الخمسينات أثناء الطوفان والحكم الإنجليزي لمصر، وهو شبيه لحد ما بقصة فيلم شفيقة ومتولي الذي تم عرضه عام 1978 هو عبارة عن حكاية شعبية اختزلت الكثير من اوجاع المجتمع انذاك. فهل من ارتباط بين الحكاية الشعبية لشفيقة ومتولي ولموسى في الملحمة التي يقدمها محمد رمضان هذا العام؟ وهل يمكن وضع معايير للحكم الجمالي على الدراما هذا العام تحديداً أم أن وجه الدراما سيتغير في الأعوام القادمة؟
https://www.arabicmagazine.net/arabic/ArticleDetails.aspx?id=8102
تم نشره في المجلة العربية ..
الأربعاء 27/10/2021