مناورة الملكة المقتبس من سكوت فرانك لرواية والتر تيفيس

ضحى عبدالرؤوف المل

يحتضن مسلسل "مناورة الملكة" المقتبس من "سكوت فرانك" لرواية "والتر تيفيس" الانتصارات الشطرنجية المقنعة والمعمقة من حيث دراسة الشخصية للاعبة الشطرنج، ونشأتها الغريبة في دار الأيتام، وبتطورات عاطفية قامت على صداقة مع جوليني الأكبر منها سنًا، التي استطاعت توجيهها بعيدًا عن عنصرية كانت تشعر بها "جوليني" الفتاة السوداء، خاصة أنه لم يتبنَّها أحد، بينما تم تبني بيث الطموحة بلعب الشطرنج الذي تعلمته من الناطور أو البواب، ببراعة جعلتها تدخل في تحديات مباريات الشطرنج وتفوز بها، رغم الكثير من العوائق التي ذللتها بالممارسة وقراءة كتب الشطرنج وملاحقة أبطال اللعبة من خلال الجرائد والمجلات، والقدرة على حفظ استراتيجيات وحركات أحجار المربعات بفهم عميق جعلها تصل إلى القمة، لتصبح نجمة عالمية في رياضة يهيمن عليها الرجال بشكل كبير جدًا، وبعبقرية المرأة الهادئة التي تتصف بتعقل وحدّة ذكاء مكللة بفن الحكمة في كيفية إدارة رقعة شطرنج مفتوحة على الكثير من الحلول التي ابتكرتها، وجعلتنا في حالة شغف لا تنتهي إلا بمعرفة كيف ستنتهي الجولة.

طفولة قاسية في دار للأيتام اعتنى بها نوعًا ما بعيدًا عن القدر الذي جمعها بالسيد شايبل في قبو كرهت رائحته، رغم أنها رغبت بشدة في معرفة المزيد عن اللعبة التي يلعبها بمفرده في مواجهة رقعته، وباقترابها منه ومراقبته يلعب بمفرده تعلمت منه قوانين اللعبة، وهي ابنة التاسعة من العمر، وبمهارة شخصية تميزت بتحسين القدرات الذاتية بشكل فردي، وبالقدرة على تذليل الصعاب والتغلب على الكثير من المحن الإنسانية التي تعرضت لها، من موت والدتها في حادث سيارة إلى موت من تبنتها ورافقتها واعتنت بها مهنيًا. فسيناريو "سكوت فرانك" و**"آلان سكوت"** عزز قيمة الفعل الدرامي من خلال الحركة في الأداء الشطرنجي المرتبط بقوة التمثيل، وبصمت اعتمد على قوة العين عند الممثلة الشابة "آنا تايلور" التي خاضت هذا الدور في سبع حلقات تشكل كل منها مرحلة بنائية مهمة في شخصية امرأة تمتلك الكثير من الجماليات الأنثوية المحفوفة بذكاء مرن، وقدرة على تحقيق الهدف بتمكين ذاتي يلائم اللعبة التي اختارتها وتفوقت بها، بل وحصلت على البطولات فيها برغم إدمانها على مهدئات تم فرضها عليها في دار الأيتام، وأدمنت عليها، بل جعلتها في حالة من تأملات مفتوحة على عدة حلول عندما تريد أن تلعب الشطرنج مع أحد. فهل اللعب الذهني هو أحد المقومات التعليمية العفوية التي اتكأت عليها بيث في لعبة الشطرنج لفهم أسرارها؟ وماذا عن احتكاك الأطفال بالعالم الخارجي وخوفهم من المواجهة في عمر مبكر؟ وهل هذه الألعاب تشكل نوعًا من النمو الذهني عند الأطفال؟

بغض النظر عن قضية اللاعبة "غابراينداشفيلي" أسطورة الشطرنج المولودة عام 1941 في بلدة زوغيدي الجورجية، وهي أول امرأة حصلت على لقب أستاذ شطرنج بعمر الثالثة عشرة، فقد تميز الفيلم إخراجيًا، وما بين التمثيل والموسيقى اتسمت المشاهد بالهدوء وبموسيقى تصويرية أكثر دراماتيكية تتيح بصريًا وسمعيًا ترجمة الأحاسيس المقترنة بمناورات الملكة على رقعة شطرنجية تبث المزيد من الشعور بالتحفيز، وبالقدرة على جمالية روح الغموض الذي أتقنته "أنيا تايلور جوي" في دورها، وقواعده المختلفة باختلاف أحجار رقعة شطرنج ترتسم في ذهن فتاة ابنة الأعوام القليلة، التي تحولت إلى شخصية صامتة غالبًا تختزل الكثير من الكلام، وتتصرف بمرونة لتحافظ على مبدأ الصدمة عند الخصم.

فاستنادًا إلى رواية من تأليف "والتر تيفيس" عام 1983، فقد تناغمت أنيا تايلور مع السرد الروائي وقدرته على خلق مجازيات حياتية في واقع زمني يعود للخمسينيات والستينيات، أي في زمن هادئ تكنولوجيًا يسمح بالغوص في متاهات لعبة أتقنتها بيث الطفلة ذات النقلات الاستراتيجية البارعة والحادة الذكاء، بتكتيك جمع التمثيل والإخراج وقدرة رواية "والتر تيفيس" على فهم عالم الشطرنج من خلال طفلة هي بطلة روايته التي تفتح أمام القارئ والمشاهد عدة تساؤلات، وأهمها سيكولوجية اللعب عند الأطفال وتنميتها ذهنيًا.

فهذه البطلة اليتيمة والفقيرة ذللت المصاعب باليسير من القدرات التي يمتلكها الإنسان، وفي النهاية جعلنا "والتر تيفيس" ندرك أن الحياة رقعة شطرنجية، فإما أن نكون أحجارها، وإما أن نصفّ أذهاننا ونفكك غموض العالم كأننا أمام رقعة شطرنجية ذللت مصاعبها طفلة صغيرة.

تم نشره في جريدة الصباح عام 2022 في شهر كانون الثاني