هل نحن المستضعفون درامياً في هذا النوع من أفلام الخيال العلمي؟
ضحى عبدالرؤوف المل
يمثل فيلم "موسى" الصادر عام 2021، وهو من تأليف وإخراج "بيتر ميمي"، الكثير من التحديات الدرامية التي تميل إلى معالجات نفسية ذات اتجاهات متناقضة سينمائياً، وتضعنا أمام طفرات علاجية قياسية لمرضى التوحد وضعف الشخصية السلوكية، خاصة مرضى التنمر، والفكرة قائمة على قدرة الابتكارات التكنولوجية في تصحيح مساوئ هذه السلوكيات من خلال اللعب السيكولوجي الحديث للأطفال عبر الألعاب الإلكترونية، والذي يشير إلى قوة التخييل والتآزر مع الاختراعات الإلكترونية المستحدثة، وما يصاحبها من إيجابيات يمكن تسخيرها لخدمة هؤلاء المرضى الذين يتعرضون للتنمر أو لأولئك من المستضعفين الذين لا يملكون قوة في مواجهة العالم الخارجي، فينعزلون ويميلون إلى الوحدة! بل ويخافون مواجهة العالم الخارجي بعيداً عن قدرة استغلالهم في خلق ابتكارات. إذ يتميزون بقوة ابتكارية خلاقة يمكن الاستفادة منها عبر التكنولوجيا الحديثة. خاصة وأن تقنية الحاسوب وما يتبعه من لعب على الخيال الافتراضي قادر على وضعنا وجهاً لوجه أمام الشخصية الداخلية القابعة في النفس الإنسانية. وهذا ما حدث في فيلم "موسى"، فالصبي يحيى مصاب بالتوحد أو بالعزلة غير الإرادية عن مجتمع لا يمثل له إلا نوعاً من التنمر عليه، وهو التلميذ الجامعي في قسم البرمجيات، والذي يمتلك نسبة عالية من الذكاء جعلته يتمكن من صناعة أخ إلكتروني، أو الأحرى شخصية أخرى قوية تمكنه من تحقيق قوة دفاعية عن النفس بعد أن تعرض والده للقتل أمامه. فهو طالب كلية الهندسة الإلكترونية الذي واجه نبوغه العلمي باختراع الرجل الآلي الذي يعمل على إحداثيات المخ، والقادر على تحقيق العدالة التي لم يستطع تحقيقها في مقتل والده الذي احتضنه وحاول مصاحبته لإيمانه المطلق بابنه، وما يمتلكه من نسبة عالية من الذكاء لم يلاحظها حتى أستاذه في الجامعة الذي رفض اختزالته العلمية لمسائل النظريات الهندسية. فهل الفيلم يسلط الضوء على هذه النوعية من الشخصيات من خلال الخيال العلمي؟ وهل نحتاج درامياً إلى هذه النوعية من الأفلام لمواكبة التطورات السينمائية العالمية؟ أم أننا أمام فكرة تكنولوجية سينمائية تحتاج للكثير من التطوير الإخراجي ومساندة الإنتاج الضخم؟ وهل نحن جاهزون إنتاجياً لإخراج أفلام الخيال العلمي؟
هل نحن المستضعفون درامياً في هذا النوع من أفلام الخيال العلمي؟ أم أن تراخي الحبكة الدرامية في فيلم "موسى" أفقدته قوة التحفيز البصري والسمعي معاً؟ أم ضعف الحوارات في المشاهد غير المترابطة أفقده التلاحم الدرامي؟ وهل وضعنا بيتر ميمي أمام فكرة الرجل الحديدي القوي والقادر على تحقيق الأحلام أو تنفيذ العدالة التي تفشل في تحقيقها السلطات أو الأفراد الذين لا يمتلكون القدرة على مواجهة الآخرين مستهلكة سينمائياً؟ فالتراخي في السيناريو أو الحبكة غير المعززة بالترابط الدرامي وضعنا أمام الكثير من العواقب غير المتوقعة في المشهد الواحد، كالبعد العلمي أو الدراسات المعمقة التي قامت عليها فكرة ولادة موسى، كرجل إلكتروني يستجيب لإشارات المخ، وهو مرتبط عقلياً بالإنسان الذي اخترعه أو المرتبط به والمتحكم به في آن، ولكن الفكرة تحتاج للكثير من التطوير الدرامي والتلاحم التمثيلي مع الفعل وردة الفعل بين موسى ويحيى رغم الدور المميز الذي لعبه البطل "كريم محمود عبدالعزيز" مع "صلاح عبدالله". خاصة وأننا ما نلمسه في الألعاب الإلكترونية هو قدرتها على جذب الحواس لداخلها، وهذا لم يتحقق في فيلم موسى. لأن المشاهد لم يرتبط حسياً بهذا المخلوق في مشهد معاصر من المفترض أن يتآخى مع الألعاب الإلكترونية الحديثة، فالفيلم لم يبتعد عن التقليد الكلاسيكي للدراما رغم حداثة الفكرة لارتباطها بالعصر التكنولوجي وسرعته. فمن يكتب روايات الخيال العلمي في العالم العربي؟ ومن يمتلك الرؤية الواسعة لكتابات الخيال العلمي سينمائياً؟ وقبل كل ذلك هل نحن جاهزون للانطلاق نحو السينما العالمية ومواجهتها تقنياً وإخراجياً أو الأحرى إنتاجياً من حيث أفلام الخيال العلمي؟
تم نشره في جريدة الصباح شهر كانون الثاني عام 2022 في جريدة الصباح