كلاسيكيات قصص الأشباح في العصر الحديث في مسلسل أرشيف 81

ضحى عبدالرؤوف المُل

نتابع عبر “مسلسل أرشيف 81" (Archive 81) رحلة درامية من ثماني حلقات، حيث لكل عالم تردده الخاص. وإيجاد التردد الخاص هو الطريقة الوحيدة لفتح الباب الذي يبحث عنه "دان تورنر"، المتقن لترميم أشرطة الفيديو القديمة، للعثور على أحداث لم يسبق لأحد أن اكتشفها، في منزل معزول استأجره له (مارتن دونوفان) للعثور على شقيقه الذي اختفى، وهو في جلسة لتحضير الأرواح صورها على أشرطة فيديو احترقت، اكتشف أنها لطالبة علم اجتماع تدعى ميلودي تبحث عن أمها في مبنى فيسر الذي أحترق بالكامل، حيث بقيت أسرار الحريق في أشرطة الفيديو التي يرممها دان محاولًا كشف الأسرار التي تحيط به، وباحتراق منزل عائلته أيضًا. وبدهشة ترابط الأحداث بين احتراق مبنى فيسر واحتراق منزل عائلة دان، يحاول كاتب المسلسل أن يمرر فكرة أن هناك شيئًا غامضًا في حياة الإنسان يبقى مختبئًا في صورة أو في فيديو أو حتى على مرأى منه، ولا ينتبه له، أو حتى لا يصدقه، أو حتى عبر غيبيات ما وراء الطبيعة لا يمكن تصديقها، وبأسلوب المشاهدة الصادمة بين المُشاهد وبطل المسلسل الذي يشاهد القليل من التفاصيل عبر كل شريط فيديو يرممه، ويتم مخاطبته فيه شخصيًا، وكأنه هو المقصود في الكشف عن ما حدث في مبنى فيسر أو للكشف عن طائفة من السحرة أو من الذين يؤمنون بالتلاعب الاهتزازي كوسيلة للتواصل بين الأبعاد الزمنية. فهل فكرت يومًا أن تلتقط لحظة من الزمن على فيلم؟ وهل يمكن للحظة ما منسية في شريط فيديو أن تمنحها خلودًا لم يكن مقدرًا لها؟ أم أن كل ذلك نتيجة للأدراك الغيبي لدى البالغين غير المصابين بالفصام؟

تبدأ الحقيقة في الظهور تدريجيًا عبر الحلقات الثماني، وبين الأطر الزمنية التي يفتحها دان لإيجاد "ميلودي بندراس"، التي تلعب دورها الممثلة "دينا شهابي"، وفهم ما جرى معها ومع والدها الذي كان يشغل منصب المعالج النفسي. فتأسرنا الأحداث وكأننا أمام مقاطع من الفيديو، لحدث يتكرر عبر الأزمنة للمتلقين الروحيين الذين يؤمنون بتجربة الحواس الفائقة عبر وتيرة الأفكار لجماعة معروفة باسم كايليغو أو البشر المتحدون أو ثيوصوفيا، أو حتى أولئك الذين تسببوا بحريق مبنى فيسر، وحجز ميلودي في عالم آخر ربما هو موجود حقيقة، ولكن هذه الحقيقة لا يدركها إلا من يحلمون بها أو من استطاع رؤية محتويات أشرطة الفيديو، والمُشاهد منهم هو، وكأنه جزء من اللغز حيث البدء بتجميع المقاطع لفهم ما حدث. فكيف تخاطب ميلودي دان ويفصلهما حقبة من الزمن؟ فالكشف عن الغيبيات هي قدرة العقل على الربط بين الأحداث والمقاطع في الفيديو. لنصل إلى المعنى من الفكرة في هذا المسلسل الذي يجعلنا نعود إلى أساطير السحرة أو إلى فتح الرؤية جماعة عبادة الشياطين على مر القرون، وأهمية الخروج من هذه المضللات التي تتعب العقل، وتسمح للكثير من الهلوسات أن تحدث للإنسان. فهل استطاع الكاتب لمسلسل أرشيف 81 أن يمنح المُشاهد رؤية لحقبات من الزمن كي نتخطى كل الإيمانيات بهذه الغيبيات؟ أم أنه يمنح الصوت والضوء أو التقاط الصور والأفلام زمنًا مختلفًا لماض قد نراه من الغيبيات؟ وهل استطاع المخرج خلق مثيرات حسية من خلال كل مشهد منحه قدرة على تصوير أدق الزوايا والخلفيات؟

تلعب الموسيقى التصويرية دورها المهم في خلق مساحات تفاجئ المشاهد سمعيًا وفق وتيرة الترددات الصوتية المثيرة للتوقعات بين لحظة وأخرى، مما جعلها تعبيرية وبقوة، لتترجم المشاعر مسبقًا من خوف وإشارات غامضة، لرموز يتم فكّها عبر الحلقات، لتصبح الموسيقى في كل حلقة بصمة سمعية لحدث ما يحتفظ بها المشاهد، لتكوين المفاجآت وما تنطوي عليها الألغاز التي تحملها هذه الطائفة التي تؤمن بالغيبيات في كل زمن، تتابع معه من زمن ميلودي بندراس إلى زمن دان الباحث عن أسباب اندلاع الحريق في منزله العائلي، موت الأب والأم وأخته الصغرى. فهل الغموض الذي غمر اختفاء ميلودي بندراس انتهى لتبدأ مراحل اختفاء دان في الموسم الثاني؟ أم أن كل ما حدث في الموسم الأول من الفيلم ينتمي لزمن تخطته ميلودي بندراس ليُدخل دان مرمم الأشرطة في زمن آخر ننتظره في الموسم الثاني من المسلسل؟

تم نشره في جريدة الصباح عام 2022