ذاكرة الشرق في لوحات فنية تتواءم زمنياً..
ضحى عبدالرؤوف المل
يحيط الفن جمالياً بنا مظهراً نواحي جوهرية وتعبيرية، نقرأ من خلالها الخط كفن متكامل يجعل من النقطة سابحة في مسارات تعكس جمال لغة بصرية نقرأها في أي مشهد جمالي مبني على زمن توقف في مرحلة ما، أو مستقبل يشبه نقطة مستقلة تبدأ منها الخطوط بحركة تحتل المساحة البصرية، كما تحتل الحكاية الشرقية لوحات " منى باسيلي صحناوي" مع امتداد ألوان رمادية يتوسطها الأزرق في خصوصية لها ميزة المكان والزمان، ليزداد المشهد الفني في لوحاتها جمالاً له ميزة عربية ، وتاريخ حضارة تلامس الواقع، وتحمل مضامين اجتماعية لها عادات وتقاليد تنوعت مع كل حركة أرادت "منى باسيلي صحناوي" أن تظهر من خلالها أصالة الحاضر والماضي في فن يتجدد ويتفاعل حسياً مع اللون والإيحاء الزمني.
فرح! غموض!.قصص مختلفة مشبعة بألوان هادئة متناغمة، مع مربعات ومستطيلات، ومآذن لها ملامح مفعمة بروح شرقية عميقة الجذور واسعة المساحة، قوية الصياغة، فجمالية المكان عند" منى باسيلي" بسيطة الأحاسيس لها رؤية واقعية، لكنها تأخذنا إلى الزمن الماضي الجميل ،كما ترحل بنا نحو مستقبل أكثر امتلاء وحركة دون أن يخسر بيئته الطبيعية الخاصة بالشرق الأصيل والعميق بتقاليده الاجتماعية. إلا أن الأحجام تجعلك تتساءل هل يمكن لسمكة أن تكون أكبر من حمامة ؟.أم أن احتياجات الإنسان أكبر من مخيلته؟.أم أن الأبعاد الفنية تتكون في المخيلة حجما ولوناً قبل أن تظهر للعين، فتتذوق التناقض في الأضداد الهندسية؟ وهل يمكن للمخيلة الفنية دمج الصور في لوحة واحدة، تروي للمشاهد قيمة الزمن من خلال الحجم والخط، واللون والمساحة المكتظة بالبعد الوظيفي المصمم ضمن خصائص وأسس تعكس رؤية " منى باسيلي صحناوي" الاجتماعية على عالم الفن والألوان المضيئة والجذابة التي تتخذ بدورها قيمة فسيولوجية تنسجم مع العين والنفس في دمج دافئ يجعلنا نسعى إلى قراءة الخطوط والأشكال الهندسية.
يقول أرسطو:" إن الألوان، ربما تتواءم كما تتواءم الأنغام بسبب تنسيقها المبهج" . وهذه المؤامة تنسجم مع تسلسل القصة في كل لوحة تجمع الماضي في بوتقة الحداثة المتلاصقة مع لون أزرق يساعد على الاسترخاء،واستقبال المعاني التي تترجمها " منى باسيلي" كما تترجم حمامة السلام طمأنينتها في لوحة مليئة بالرموز التراثية والاجتماعية ، والأهم محاكاتها أحاسيس المتلقي زمنيا ًمن خلال التوازن اللوني وارتباطه بالشكل والحجم والفراغ.
تتسع اللوحة رغم مساحتها، فالألوان الباردة أخف وزناً من هلال أو شمس لونتها بالأصفر الفاتح أو جذع نخلة بلون زهري مركب أو حمامة تلامس الموج كأنها سفينة نوح في إيحاء رمزي مرهف الإحساس له درجة لونية تعكس الضوء على سطح اللوحة قبل أن تمتص حاسة البصر أحاسيس ريشة كتبت ما شاء الله.
تجانس يحقق الانسجام مع لون أبيض ساطع كزبد يعانق صخرة الروشة، وكنوتة موسيقية تعيد نغمة الماضي لامرأة على كرسي الانتظار وفسحة بيضاء لها إطارها الزمني البعيد عن مكان وضعت فيه" منى باسيلي " لوحة داخل لوحة ، وكأنه قصة خاصة مرّ عليها الزمن، لكنها منقوشة على صخرة يرفرف عليها علم لبنان ، كأنها في هذه اللوحة تجمع الزمن والمكان على شاطىء لبنان.
اللون هبة الحركة، والبيئة الاجتماعية هي مظهر وظيفي يحيط بالإنسان، فتتأثر المبادىء الجمالية بما حولها، مما يجعل للخط لغة تعبيرية واقعية حين يستخدم في رمزية تراثية لأماكن لها بعدها التاريخي كقصر بيت الدين، لكن " منى باسيلي " مدت مساحة مصغرة لقهوة عربية مع طائرة تقف على أرض يتكاثر فيها السمك، وكأنها تصور حالة فنية لها خاصية ترتبط بواقع رسمته ، وأخضعته لفكرتها الملوّنة بألوان تاريخ لبنان المتمسك بجذور أماكنه السياحية ، كما يتمسك بوحدة شعبه رغم تنوع الأديان فيه.
مربعات كنوتات موسيقية تتراقص في كل لوحة تتماسك حسياً، وتنسجم شكلا ومضموناً مع الخطوط وخصائصها العامودية أو الأفقية ضمن إشارات معينة يفهمها البصر رغم تلاعب ريشة "منى باسيلي صحناوي" بالأ شكال الهندسية المشحونة بالأحاسيس الوجدانية، لتكشف أبعاد الزمن وتأثير الواقع عليه، فنلمس التغيرات المتشابهة مثل لوحة " كان يا ما كان" وجدة لها أناقة امرأة خمسينية تروي الحكاية داخل ألوان متقاربة أساسية ومركبة تثير الإحساس بنشوة ذكريات عاطفية تجمع العائلة في لوحة داخلها لوحات متعددة لها رؤية قصصية واضحة تتصل بالفن والحياة.
ناي! تراتيل دينية!. رقصة مولوية، جمعتها ضمن لون اندمج مع الأصفر وتوحد مع أشكال النوافذ القديمة ، كأنها تعيد أمجاد مدينة صوفية أمسكت بيد جبل وساحل، وخطوط حركية لها روح تكوينية لعمل فني حمل أبعاده الثلاثية وجمال خط مقعر له اتجاه الهلال وغصن الزيتون مع صرخة يا الله .
لوحات فنية لها جمالية خاصة ذات دلالات متنوعة ترمز إلى حقيقة زمنية واقعية تتكرر في كل زمان ومكان رغم اختلاف أشكالها التي تتحاور مع الألوان المتوافقة ضوئياً وحسياً، ومع ما اكتسبناه تاريخياً في أزمنة وضعتها ضمن لوحات قديمة لها جمالية خاصة، كأنها تقارن أعمال الفن التشكيلي من بداية زمن ما وحتى الآن .
Doha El Mol