"إحساس" ينبض بالحركة وفق خطوط تتكرر
ضحى عبدالرؤوف المل
تؤثر نغمة اللون في النفس كأنها تضبط إيقاع الأحاسيس البشرية من خلال العين التي ترى الجمال، وتقرأ لغة الفن التشكيلي لوناً وشكلاً، لتتغلغل الأحاسيس بين الخطوط وتفك غموض كل مشهد بانورامي صممه" فهد خليف" من خلال الأشكال الهندسية الإيقاعية، وكأن البنية اللونية هي سينوغرافيا تنقلنا إلى مسرح حي ينبض بالحركة، ويعكس واقعاً اجتماعياً هادئاً قدمه " فهد خليف" في معرض تعبيري تشكيلي له سياق دلالي ومزاوجة واقعية نصف دائرية تبرز التناقض والترابط في الحياة ( الإنسان، الخيل ، الحمام) لإضفاء خصوصية به تجعل المتلقي يدرك وعيه الإسلامي لمفهوم الفن التشكيلي.
فن هندسي نابض بالحركة له عزف لوني موسيقي، وتقسيمات تكعيبية وفق خطوط تتكرر وترافق اللحن التعبيري في مجموعات تختلف من حيث التدرجات، وترتبط مع الخط ضمن الوحدة، والتوازن، والمحاكاة، والتناسق والإحساس بجماليات التعابير المستقاة من طبيعة بيئة يحيا فيها "فهد خليف" وجعلنا نتفاعل معها ومع خيول لها بعد وجودي ملازم لبيئة صحراوية لونية تتمادى لأبعد الحدود مع الرمادي والأزرق والأبيض والأسود المشبع بالعقلانية الممسوحة بالخيال الإبداعي المتوازن للوصول لجمال ينساب شفافية تاركاً الإحساس يلمس المتغيرات في كل مشهد فني ترفل له حاسة البصر. تأثير بصري تتوحد معه الحواس من خلال عين تلتقط حركة كل خط عاطفي منحني، ومنسجم تجريدياً مع مضمون فكرة صممها رياضياً وصبغها وجدانياً، مستخدماً الرموز والمساحات اللونية المتلاحمة المجردة من انفعالات ريشة تتناقض مع ذاتها تراجيدياً، وتتقيد مع قوانين " فهد خليف" وفق حوارات لها مفردات ذهنية تعتمد الإضاءة المباشرة للتأكيد على عمق المنظور المرافق للون رمادي محايد والمجاور للون أزرق يتوافق مع الألوان الأخرى ويبتعد عن الرمادي، بوقفات لون أبيض يتعايش مع القضايا الرمزية المطروحة في كل لوحة، وكأنه فواصل موسيقية تنشط البصر وتمزج المشاهد وفق رؤية ثلاثية الأبعاد وحروفية تحقق الحضور العربي في لوحات تميزت بتعبيرية لا تخلو من خصوصية لها طابع فروسي جذاب يهدف إلى الانطلاق بعيداً عن قيود مدارس كلاسيكية انعكست على أعماله رغم التنوع الحداثي، والحيوية التي تجذب النظر بقوة إلى داخل اللوحة، فنتعايش مع الخطوط المنحنية والوهمية بعاطفة تتفاعل مع المثلث والألوان الباردة.
مساحات تتسع بصرياً وتنفصل شكلا، وتتآلف هارمونياً، مما يزيد من بلاغة النغمة اللونية ،كأنها تخبرنا عن حضارات ماضية وحضارة عريقة لها مواصفات جمالية ترمز إلى الشموخ والسلام، كما ترمز إلى الحاضر المُشرق كإشراقة اللون الأبيض في لوحات يتكرر فيها الفراغ المرتبط بالحالة اللاشعورية للفنان " فهد خليف " في لوحة رمزية تركت الأبيض يقترب من الأسود مع مراعاة الظل والضوء. ليعطي للمرأة نموذجاً متخفياً يوحي بالمحبة والسلام في براعة أدهشتني لوجود جوهري للمرأة داخل لوحاته إيحائياً، وبما يليق بها عربياً وشرقياً، بل ووجودياً . توازن رؤيوي يتناسب مع الأشكال والكتل، وعلاقتها بالموجات الضوئية الملموسة داخل ذروة اللون وانخفاضه ، لتراه العين وتستمتع بأحاسيس تؤدي دور الحركة المرتبطة ببرودة اللون وحرارته، فالبرتقالي يثير الخيال الفني، ويشحن انفعالات المتلقي ليوحدها في عبارة واحدة نهمس بها " الله" .
محاكاة لها فلسفة جمالية يخاطب بها " فهد خليف" بصمت أغوار النفس وفيض تلقائيتها العفوية التي تستقبل اللون وتأثيراته لخلق الدهشة داخل المتلقي وتوظيفه دراماتيكياً لخدمة فكرته الأساسية في كل لوحة راقية فنياً، تجعلنا نتذوق الصفاء بلغة شاعرية لها حركتها الوجدانية المؤثرة في التقاط نقاط البداية والنهاية، والمرتبطة بالظل والنور مع رموز لها إيحاءات تعبيرية مختلفة تظهر مدى البراعة في إظهار ثقافة إسلامية بأسلوب تجريدي لمفهوم المرأة وعلاقتها باللون الأبيض وتوظيفه جزئياً من خلال بناءات فنية تكعبيبة تجعلك مذهولاً بما توحيه لك في حال فككت الوحدة ستجدها مجموعة وحدات متماسكة، كما في لوحة رسم فيها أطياف نساء سابحة مع الفراغات. ليظهر الرأس أو الشعر أو الحجاب أو الكوفية على شكل حمامة سوداء والجسم بلون أبيض، كأنه نوته موسيقية لها جماليتها الضوئية الخاصة مع فراغات تراعي الإنسجام الشكلي الذي يرتبط تكاملياً مع الإحساس بوجود المرأة إيحائياً في أعماله.
يقول جيروم استولنز:من الواضح أنه لا ينظر إلى الشكل ذي الدالة على أنه سمة موضوعية خالصة للعمل، وإنما هو يتصوره في علاقته بالمشاهد أي أن الشكل ذي الدلالة هو نمط من الخطوط والألوان الذي يثير انفعالا جمالياً".
آداء تقني تكنيكي ينهي كل جدل يتصل بالخط أو الأشكال أو اللون، فيزداد الإحساس بالنسيج الشكلي والمضموني، ليوحي عن طريق المخيلة أن احتضان الريشة للون ينبثق من عناصر فنية لها أبعاد نفسية تؤثر لا شعورياً على ذهنية المتلقي، فيستخدم أقصى مهاراته في قراءة كل خط أو شكل هندسي ذي بناءات فنية عميقة، مما جعلني أقرأ كل لوحة تدفق حضورها بصرياً ،وتمتعت بخصائص لها معاييرها الفلسفية حسياً، ولها مضامينها الفكرية بناء ولوناً، كأنني أقرأ رواية حضارة عربية جعلتني أشعر بالفخر والبعد الجمالي بالإحساس الفني الذي أطلقه " فهد خليف" في معرضه " إحساس"
Doha El Mol