أبعاد جوهرية ذات فلسفة لونية تتجاوز المدى البصري

ضحى عبدالرؤوف المل

يطوف اللون الأبيض في أعمال" محمد علي الشهري" بنورانية حسية تلتقطها الطبيعة الروحية للإنسان، فيتأثر بها وجدانياً، مما يعكس جمالياً المتعة الذوقية للمتلقي بشكل عام، والوعي الإسلامي بشكل خاص ، وتأثر ببيئة سعودية إسلامية تدفع الفنان انفعالياً للاستجابة إيمانياً لحواسه، وفنياً لألوانه المحملة بعبق نوراني، وبعروس كونية هي الكعبة، وما يطوف حولها من ألوان ارتبطت بلون معاكس للأبيض هو الأسود.

تطوير فني ، ورؤى إسلامية تزدان بخلجات وجدانية تحمل مقامات تنقسم لونياً ضمن مربعات، وأشكال وأحجام تعكس مراياها ظلال وجودها زمنياً، وترتكز على أبيض مختوم غالباً بأحرف عربية، وبدقة ترصد التباين، وقوة الصفاء الذهني المرتبطة بالشكل البصري المتنقل تدريجياً من البسيط إلى المعقد أو بلغة النقد الشعرية السهل الممتنع ، فالنسيج المكثف لونياً عبر طبقات تجعلنا نتأمل مضامينها وأسلوبها، والنقوش أو الأختام، أو البصمة الخاصة التي يتركها في كل لوحة توحي بتصورات ذهنية للأماكن المقدسة، والإنسان والوجود الجمالي الإسلامي، مما يحقق جوهر فكرة الكمال الإلهي من خلال رؤية فنية تشكيلية تحمل رسالة ذات تنظيم بنائي تجريدي متمسك بالواقع، ومتأثر بروحانية تسعى إلى تسليط الضوء على الجمال الإيماني قبل الإسلامي، لألوان الحياة المختلفة الشبيهة بالألوان البشرية وتنوعها الديني، والمذهبي المتجهة بنظرتها نحو مركز الكون والنقطة الأساسية الدوارة له، ألا وهي الكعبة المكرمة لتحقيق تميّز يجمع الموضوعية والوجودية ، والواقعية تحت ظل النورانية وفي بوتقة ضوئية لا تنافر فيها رغم وجود اللون الأسود للكعبة .

أبعاد جوهرية ذات فلسفة لونية تتجاوز المدى البصري، وتنقلك إلى واقع حسي تخاطري، فتشعر بقوة الحضور في الذات، وانت تتأمل عامودية الشكل اللوني، والصعود النفسي نحو فضاءات متسعة في مخيلة تستدعي كل حواسها لتلمس الجمال الحقيقي، لنور يجعلك تقول ( الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه) فالصوفية في المادة اللونية تجذبك نحوها، وتجعلك تحت تأثير متناقض أحياناً، فالترابط اللوني المتصل بين فوق وتحت في أعمال " محمد علي الشهري" توحي بدنيوية الأنسان، والانتقال الروحي نحو البقاء السرمدي ، والنور المنبعث منه ضوء أبيض يلتقط كل الألوان التي تتناسب مع فيض الحركة الكونية الشبيهة بالطواف حول الكعبة.

لغة بصرية تحاكي الخط واللون ، والمساحة والشكل والحجم، وسماكة المعاجين مع شفافية اللون، وتناقضه أحياناً ، وكأنه ينقش في الذاكرة بعد الأمكنة الدينية، وأهميتها الجمالية من خلال فن واقعي رمزي تجريدي له إيقاعات خاصة أو بالأحرى إيقاع لون أبيض حيوي متناغم مع أشكال ذات طرازات تعبيرية تحقق الترابط الفني بين المادة والشكل، وبين الجسد والروح، وبتقنيات يحولها إلى موتيفات هارمونية سابحة مع الكتل، مما يخلق حواراً جدلياً بينه وبين المتلقي ، فالخامات الفنية هي مفردات كثيفة المعنى وذات مضمون يحقق للرؤية أهدافها، ويلامس مكوناتها الفلسفية وأبعادها الدينية والاجتماعية، ومراميها الجمالية والمساهمة في تكوين لوحة ذات بعد مفتوح يوظفه لإظهار مدينة مكة وجمالها، ورمزية تبوح بمكنونه النفسي المنعكس حسياً على المعاجين والألوان، وطريقة كشطها وتشكيلها وإخراج لوحة حسية لها مدركاتها البصرية الرصينة والمتزنة، وهذا ما يمنح المتلقي السكينة والهدوء، وهو يتأمل لوحات " محمد علي الشهري" الملفوفة بالبياض، وكأن ريشته تعتمر،وهي تنسج العلامات والرموز التي تحمل المفاهيم الإيمانية قبل الإسلامية.

لوحات نابضة بالخطوط اللونية العامودية المتصلة بحروف اسم الجلالة المسكونة بجمالية لها سرد حسي يتفاعل معها المتلقي، ومع فضاءاتها المفتوحة بصرياً ، فالألوان الحارة والباردة تتماسك كالبيئة الصحراوية المتوارية خلف ذاكرة فنية تكعبية تتراىء من خلالها التجريدية الخاصة المتأثر بها " محمد علي الشهري" لكنه استطاع مدّها فوق سطوح حاضنة لضربات فرشاة ذات مقدرة فنية توالف بين العين والصورة ،وبين الحس والروح ، ووصف مؤطر غرافيكياً يشدو الأبيض والرمادي معه وفق إيقاع صوفي له دلالاته الرمزية والمعنوية ، والحركية ولون أبيض يختلف طوله الموجي من لوحة للوحة، وهذا ما يجعل المتلقي يتأمل أعماله الفنية بقدرات متفاوتة، وبتعددية تفتح عوالمها التناقضية من تساؤلات عن الأبيض والأسود، والخير والشر والموت، فنتوالف أكثر مع العناصر التي تؤكد أن في الحياة تجليات جمالية تقود النفس نحو الوجود الحقيقي.

فن تجريدي تكعيبي،واقعي رمزي تأثر به الفنان" محمد علي الشهري" فهو قدم رؤية متأثرة بكل هذه الأنواع الفنية ، ولكنها انصهرت بذاتها وأخرجت أعمالاً تحمل مضاميناً فكرية لها أختامها الخاصة وتمسكها بالتقاليد العربية الأصيلة كالأختام الدائرية ذات المعطيات الدلالية لوجود عربي منذ الأزل، وفي حضارات سابقة وحضارات آتية، فالمعاجين المشبعة بالألوان لها خصوصية رمزية لأمكنة تركها فوق سطوح لوحاته، مقسومة أحياناً إلى أقسام ثلاثة: ماضي حاضر،ومستقبل لكن الكعبة هي الكعبة في كل زمان ومكان بالأسود على الأرض، وبالأبيض النوراني في السماء، وهذا الحس المرتبط بالفكر الإسلامي واليقين الإيماني بمركزية الأرض، والنقطة الأساسية فيها، وهي النقطة الفنية التي انطلق منها " الفنان محمد علي الشهري" فهو يبحث عن هوية إيمانية مرتبطة بالإسلام المتوازن. لينطلق نحو العالمية .من خلال أسلوب متأثر بكثير من المدارس الفنية المتنوعة.وبمضمون صوفي لوني يتخذ من الأبيض هوية له.

تقول رشيدة التريكي:" تصبح الصورة موضع التفاف، فضاء بروز حركة الحياة، إنها تحرر كثافات وخطوط قوى. لم يعد البتة النظر هو الذي يحيط بالأثر ولكن الصورة هي التي تجر النظر إلى تعرجاتها، إلى سرعتها، إلى صيرورتها.

نمطية حركية في أسلوب اتجه نحو التجريد، لكن متمسك بالأرض والمكان، ورمزيه دينية ووطنية أظهرها " محمد علي الشهري" بتعبيرية تجعلك تلاحق حركة الطواف الدائرية في أفكاره الباحثة عن الوجود الحقيقي، والصفاء اللوني ،والمتعة البصرية والروحانية اللامتناهية التي أيقظها باللون الذهبي، وقوة المادة الحياتية التي تأخذ الأنسان المتفرد ايمانياً في متاهاتها ليحيا الواقع رغم التجريد، والأبعاد المدروسة في أعماله بشكل عام، وبتناغم فني مع الرموز والألوان الباردة والمحايدة، والمساحة والفراغ الممتد في مساحات ذات فواصل فراغية، تهدف إلى كشف الأبعاد الماورائية للأماكن المقدسة ذات الخصائص التاريخية والعربية، والمرتبطة بالتكامل الإنساني من كل الجوانب الحياتية وأهمها الجمالية.

منظور روحي انطلق منه واقعياً، وأكمله تجريدياً تاركاً للرمز محاورة المتلقي بأسلوب فني متميز، وبنهج إسلامي يحدد مفهوم المكان وجوهره وأهميته، وخصوصيته المحورية الممتزجة روحانياً بالعاطفة الإيمانية ، والإسلامية في أعمال تنوعت ألوانها ومساحاتها ،والحركة الكونية المتناغمة مع الحالة اللاشعورية عند المتلقي، فيتذوق القلب طيب ألوانه قبل العقل الباحث عن أسس لوحاته ،والمدارس المتأثر بها " محمد علي الشهري "..

Doha El Mol