اسقاطات ضوئية تكسر جمود المادة اللونية

يضىء " ماركو سيرافولو ". من خلال الألوان على أزمنة تضيف للمشهد الفني فضاءات إبداعية، وعلى فن العمارة تشكيلا بنائياً يعيد للحياة الفكر البنائي المثير للفضول، والتفكر في فلسفة فنية نحتية،ليؤكد على معادلة الجمال والحياة تجريدياً ،والفن والهندسة التقنية القادرة على اثبات تواجدها ضمن معاني ورؤى متعددة الفراغات، فالاتجاهات الفنية في أعمال " ماركو سيرافولو " تتكامل بموضوعية مع الألوان الباردة والحارة ،والإيحاء الحركي للضوء لإحداث انحناءات وهمية ،وارتفاعات عامودية مرئية تخالط الخطوط الأخرى بتناغم نحتي شاعري منظم وفق إيقاعات تضاعف ببساطة العمق الهندسي لتكنيك لوني، مزجه بتضاد محبب إلى النفس،ومريح لعين الرائي ولذهنية تترك الحواس بحالة من استرجاع ، لتصويرات ما زالت في ذاكرتنا الفنية كتراث يحتاج للخروج من الذاكرة التراثية، ليدخل إلى الذاكرة الفنية التشكيلية.

ترتفع الخطوط العامودية وفق سيمترية تتوازى اشكالها البصرية،لتنصهر الخطوط بهارمونية تضفي جمالها على الأحجام والفراغات،والأبعاد التي تشتمل على كل كتلة تكوينية منسجمة مع الفراغ ، والمضامين التعبيرية المرتبطة بتصميمات إبداعية. يتفاعل معها البصر لتعيدنا تاريخياً إلى التراث الفني الإيطالي، مظهرا تحولات إيمائية في الشكل الوظيفي، المتضمن القياسات والنسبة الضوئية المتوزعة على سطوح لوحة يتوحد فيها الضوء مع اللون،والشكل الهندسي المؤثر على اتجاهات انعكاسية ذات رؤية فنية ثلاثية الأبعاد تهدف لإثارة مفهوم المكان والتصميم البنائي المرتبط بالإنسان ،والمعاني اللونية المحبوكة بفنية رمزية تتعلق بأنوثة المرأة والتكنيك المعماري الإبداعي، المستوحى كلاسيكياً من عصور سابقة ومتوائم مع الفن المعاصر أو الحديث والمنسجم مع الكائنات البشرية ، والطبيعة الصامته في أعماله الزاهية لونياً.

زخرفات ومنمنمات تؤطر المساحات المتماهية مع الأشكال التي تقترب من البورتريه أو لمشهد مأخوذ من واقعية تم تجريدها هندسياً ولونياً،لتؤلف معاني تشكيلية تزدهي،لمنظور سيمتري الفكرة ينمو كرسم حديث يمتلك تاريخاً يتضاد فيه المكان، ويوحده الزمن الكوني المتصل بفن العمارة والبيئة الباحثة عن مفهوم المرأة الوجودي ورمزيتها لكينونة الحياة المثمرة، وكعنصر جمالي يضفي على الحياة جمالا، ونلتمس من خلالها ارتباطاً متيناً بالمادة الفنية. كأنها تمثل نقطة تحول في أزمنة بدأ تاريخها الفني الحديث. يطلق توجهاته التاريخية من خلال مناظر طبيعية،وشكلانيات مرسومة كفن مكرس وجدانياً ، لكسب متعة حسية ذات استقلالية يشعر بها المتلقي .

تتراىء الإيحاءات الحداثية المستقاة في أعماله من التأنق في الخطوط العامودية المكتسية أشكالا مختلفة من الأزياء الفضفاضة أو اللون المتسع للأحجام والكتل أو الأحجار المتراصة أو مواد البناء الثقيلة وزناً، وهندسة والمشحونة بماضي مازال غامضاً في رسومات " ماركو سيرافالو" ،وكأنه يطلق جماليات ذات أسس تجملية معمارية تصبح أكثر وضوحاً لو تأملنا الخطوط الحادة، والألوان الضبابية والعاطفة المنسكبة من معاني الوجود الأنثوي في لوحات موضوعية ينسكب فيها الضوء كقصيدة إيقاعية تؤكد على الغنى الفني في الحركة الحياتية التي تمنحها المرأة في لوحات تتلاصق فيها مع الجماد والبناء ،وكأنها هي الخط العامودي المتصل والمنفصل في آن. مما يترك المتلقي في حيرة فلسفية متعددة الجوانب والآراء،والغموض التكويني للوحات تنتمي لأمكنة لا زمان لها. إنما تجمع الماضي والحاضر والمستقبل ، كونها تتيح للمتأمل انطباعات تخيلية ، محصورة بالأبعاد الزمنية المتخفية خلف أعمدة تعترف بوجود المرأة كعنصر حي نستكشف من خلاله الذات والجمالية المرتبطة بغموضه النفسي، وبالحركة التي يثيرها عن بعد في النفس والوجدان.

إسقاطات ضوئية تكسر جمود المادة اللونية التي تتخذ من الأشكال العامودية قاعدة لها، وضمن استدلالات إدراكية فنياً دقيقة الوعي الحركي، وتتناول الفضاءات المفتوحة هندسياً ، لتباينات مسطحة وفق مثلثات ومربعات ومستطيلات تكشف عن هندسة تجريدية تكمن في موتيفات تثير جدلية تكوينية تتسم بتناقضات رياضية لمفاهيم متنوعة مثل : كبير وصغير،طويل وقصير،رفيع وعريض ، لتتماشى مع أشكال الأجساد النسائية المتلاحمة مع أعمدة متناغمة حسياً ومتآخية فنياً ضمن البعد الثالث ، والجاذبية الإيقاعية للون والضوء،وكما قال سيزان:" الشىء الأساسي في الصورة تحقيق المسافة، وأنا أحاول معالجة المنظور بوساطة اللون حسب."

تسامي لا متناهي في الخطوط والابتكارات التصميمية. لأشكال منحوتة مستوحاة من لغة تصويرية تراثية متضمنة كلاسيكيات مدموجة وفق تدرجات ضوئية وميكس ميديا تختلط فيه الأنماط والنماذج الفنية، ولكن ضمن قيم جمالية نغمية تتوازن فيها الكتل المندمجة بصرياً داخل الألوان، وبأسلوب أكثر ارتباطاً بالأنظمة الهندسية، لفكرة العمارة الأكثر عمقاً من التجريد الهندسي أو من الألوان التي تكتسح انطباعياً الأسلوب التكنيكي، لمواد أخرى استعملها " ماركو سيرافالو" وفق اتجاهات خطّية كثيفة لا اختزالات فيها، لكنها جرئية من حيث المفهوم التراثي الغارق بتوليفات تأثيرية تؤلف نسيجا غنيا بالمناظر الانطباعية المؤثرة وجدانياً بتناغماتها اللونية المتأرجحة بين الأحمر، والأبيض،والزهري، والرمادي،وومضاتها الترابية المتكومة ،كفواصل بصرية تعيدنا إلى الذات والأرض،ومنطق التجريد الكوني لطبيعة معاصرة استشهد بها " ماركو سيرافالو" ليغزو المخيلة بأساليب مختلفة تثير مبادىء العقلانية والعاطفية والجمالية في لوحات فنية تعلن عن فن معماري معاصر، برؤية فنية تشكيلية تقترب من النحت، وتلامس حدود الزمن في أمكنة هي ضمن لوحات ترك فيها " ماركو سيرافولو" ضربات ريشة تمتزج فيها الألوان ببساطة تقنية. توحي بالثقة وبغزارة مشاعر عكف على إظهارها من خلال ألوانه الأساسية،الحادة والمتوهجة كالأحمر ، والبارد كالأزرق بموجاته الطولية المختلفة والمكملة لبعضها البعض من حيث التفتيح والتعتيم ، والمؤثرات الضوئية المتماوجة إيحائياً،وكأنه يثير كينونة العوالم الزمنية المخفية بين الألوان والأشكال ذات القوى الفنية المعاصرة،المحاورة لرمزية المرأة وتواجدها في أعمال تمتلك لغة تراثية فنية خاصة تجعلنا نتحرر ذهنياً من أنماط هندسية مقولبة ذات خصائص نحتية تستقطب العناصر الصورية الموحية لنهاية عصر وبداية عصور أخرى.

Doha El Mol