لغة تجريدية بصرية تحاور" إيتل عدنان" من خلالها البصر
تبدع " إيتل عدنان" Etel Adnan) ( في مزج الألوان الأساسية داخل مساحاتها التجريدية،وفضاءاتها الرحبة والبسيطة في تصميماتها السينوغرافية ،المتواشجة مع الضوء والفواصل، والعوالم اللونية المتقاربة والمتجاورة، الحارة والباردة وأسسها الثابتة في تركيب الأشكال الهندسية اللونية كبصريات طبيعية جردتها من التفاصيل ،لكنها منحتها لغة الاختزال والتبسيط ، فالحدود اللونية التركيبية ما هي إلا خطوط وهمية لتكوينات جيومترية تلتزم بالقاعدة الذهبية لإظهار الجمال المتناسق والاستطيقا السيمترية التي تعتمد على الضوء المتغلغل داخل كل لون،ودرجة التعتيم والتفتيح لألوان قوية وأساسية ، كالأحمر،والأخضر، والصفر،والأزرق،والأسود.
تقاطعات رشيقة تحتك مع بعضها البعض برقة تتوازن حين تتواءم مع بعضها أو تتنافر،فالتضاد اللوني للكتل الهندسية التي تحمل سمة التشكيل العقلاني،ما هي إلا لغة تجريدية بصرية تحاور"إيتل عدنان " من خلالها البصر والحواس الوجدانية بشتى أنواع التجريد الحسي، بوصفه يختزل المفهوم التعبيري بتقشف، واختصار من حيث التركيب الهندسي ونسب الألوان الحارة والباردة ، ومن حيث المحاور السيميائية وامتداداتها داخل المساحة البصرية،وانسيابات الخطوط المنتظمة والمتشعبة بنيوياً. لتلغي" إيتل عدنان" من لوحاتها الزمان والمكان ،وتضعنا أمام حقائق بنيوية تأخذنا نحو الصناعات البترولية الملوثة للبيئة،والمسببة لصراعات إنسانية لها سلبياتها وإيجابيتها على طبيعة اختزلتها إيتل بتدرجات في الصياغة البنائية للون لا يخلو من شاعرية إيقاعية ذات مناخات تجريدية . تشير إلى تفاعلات حسية ذات تأليف هندسي يتوافق مع كل لون ودرجاته ،ونغمته واللمسات الكثيفة أحياناً في تركيب الألوان،وتجريدها الجدلي الأقرب ميتافيزيقياً إلى مفهوم الواقع ولكن برؤية اختزالية .
دمج بين التجريد اللوني والتجريد الهندسي لأشكال تقابل بعضها البعض ، وتحاور الفراغات اللونية بصعوبة ترتكز على ملامح الضوء والنسبة المعادلة، لتوهجات أو سطوع لا تثير المخيلة، ولكن تفتح الذهن على قوة ملاحظات تبدأ من جيومترية الخطوط، والنقاط المحورية المتصلة بالمفردات الفنية المختزلة وغير المرئية لكنها تمثل الاختزال الشكلي واللوني للحركة الضوئية داخل المساحات وأبعادها التقنية ،لخلق حس بيئي فني لطبيعة تراها " إيتل عدنان" وتجسدها بمفهوم إنساني بيئي،وبثنائية الطبيعة والإنسان أو اللون والشكل أو الهندسة والفراغ والتعبير والانفعالات.
تتمازج أبعاد الرؤية مع عمق اللون الإيحائي المحافظ على حركة دلالية ذات حضور جوهري. يتلاءم مع المضمون التكويني والتجليات التعبيرية التي تعكس دواخل النفس الإنسانية ،وتعلقها هندسياً بأنطمة رياضية تجعلنا ندرك بوضوح جمالية المربع، والمستطيل، والمثلث، والخطوط الأفقية، والعامودية. لنرجع إلى الأصول الفنية المؤثرة على العقلية الفنية، وانجذابها للفراغ والكتلة والحركة التي تعكس البصمة اللونية المتناقضة مع الفكر التجريدي والمتوافقة مع الهندسي واللوني، فهذا التناقض والتناغم يتشكل في فراغات إيحائية لابتكارات وظفتها تجريدياً بهندسة لها قياساتها التي تجذب البصر،فهي لم تقتصر على الأبعاد والأشكال والأحجام. بل ارتبطت بتصاميم نصية إيقاعية الحركة، لتتقاطع الألوان فيها تبعاً للرؤية المجردة من تفاصيل زخرفية، لتؤكد على قيمة الجمال التجريدي الذي يرفع من قيمة الخطاب الذهني ،والمحاكاة الديناميكية للأشكال الواقعية التي نراها في تصوير امتدادي له أبعاده الثنائية،وفلسفته الشمولية. لنجد أنفسنا أمام ألوان نستوحي من خلالها بعض الصور الكامنة في الذاكرة الفنية، فوضوح الألوان والنقاء الشفاف فيها تجعل من الخطوط أكثر حركة وتداخلا مع اللون، ليتفاعل المتلقي مع أعمالها برهافة حسية تجعله يتذوق كل عمل وكأنه ينصت لموسيقى الطبيعة.
أحاسيس جمالية تثيرها " إيتل عدنان" في مفاهيمها الفنية بشكل عام، فالإبهار المرئي والقدرة على إثارة الغموض الذهني يولّد عصفاً يثير تساؤلات عن ماهية الأشكال التي تقترب من الصيغة البنائية أو العمرانية أو حتى رسم الملامح الإيحائية من خلال المشهد اللوني الصامت لألوان شبيهة بطبيعة الأشكال وتجريداتها، فالإيقاعات الداخلية تتناغم وتتعارض مع الأنماط الخارجية، وقياساتها التكوينية التي تقود الفكر إلى الإحساس بالمعايير الهندسية، وجمالية وجودها في لوحات أو أعمال تضفي على الحواس شاعرية تتميز بنوتات موسيقية تنبعث من كل لون يجعلنا نحتفظ بجوهر الفكرة الفنية التي تمزجها " إيتل عدنان" مع مفاهيم حسية وإدراكية متعددة ذات مدلولات تثير صفاء المكونات الفيزيائية لتجمعات الألوان، بأساليب تكنيكية تعتمد على الإيجاز الحركي، واستخلاص الفن مع الاحتفاظ باختزالات كل رؤية موضوعية نزعت عنها " إيتل عدنان " مظاهرها التعبيرية ومنحتها توليفات استطيقية شكلانية تتمتع بعقلانية يتأثر بها المتلقي ،حيث يصغي لموسيقى كل مفردة تجعلنا نساهم بإيجابية بصرياً ،وبالتأمل والتفكر في أعمال فنانة أمسكت بالأسلوب والمضمون بموضوعية تجريدية،وجمالية ذات نكهة إيقاعية هندسية توحي بالقسوة وتزخر بالعاطفة والنظام التجريدي الهندسي، المتمحور حول الشكل الموسيقي للون ،والكتلة الهندسية الرياضية التي تتميز باعتمادها على موتيفات نموذجية متزنة من حيث الاتساع والعمق، والمساحة، والخطوط العامودية،والأفقية، وعلى ألوان كالأحمر،والأزرق،والأصفر، فالنقاء اللوني والاتزان الهندسي يتسبب في تحفيز الحواس الوجدانية ، وما يمور فيها من استحضار رمزي. يجعلنا نحتفظ بالأعمال الفنية داخل الذاكرة البصرية، لتصبح كل لوحة رؤية نستوحي منها التصميمات العمرانية والانطباعية ولكن بلغة التجريد الهندسي.
Doha El Mol