توازنات تفرضها النظم الهندسية لألوان ملتزم بها الفنان حسين ماضي

ضحى عبدالرؤوف المل

يعزف " حسين ماضي" على نوتات اللون القوي ، والدرجات الساطعة ضوئياً والمنخفضة عند زوايا البصر والأبعاد الثنائية والثلاثية، ليضفي لمسة فنية ذات أسس تكعبية، وتركيبية من لون وخط وحركة، وكولاج تميز بقوة الإدراك البصري وبتقنية رصف فيها الأشكال والألوان ودمجها زمنياً بتفاوت تكويني معتمداً على المنظور البصري ،تاركاً بذلك زوايا السقوط الهندسية للأشكال تتأرجح على مسارات ضوئية مختلفة، ولكن ضمن رؤية بصرية واحدة. تتحرك تبعا للانكسار والانعكاس التكعيبي والخطوط المتوازية في الفراغ، ليستنسخ أشكاله الهندسية، وينظمها وفق أبعاد لها نقاطها المحددة على سطح مستو ،تركه يعج بالنقاط، ليخلق توازنات أكروباتية لأشكال يخلقها مجردة من طبيعتها، فيعيدها إلى الخط الأفقي العددي، ويمنحها حركة لون معاكسة دون أن ينفي الخط الأسود الفاصل والأساسي، ليؤطر الأحجام ويمنحها استقلالية قبل أن يضعها على سلم موسيقي، ويمنح البصر قوة ملاحظة والحواس القدرة على الاستمتاع بالانعكاسات الضوئية للألوان ،والأشكال التكنيكية حتى أن المتأمل للوحاته الكولاجية يشعر بالتحفيز البصري،فيحاول تفكيك الأشكال بصرياً، لأنه يخلق بهلوانيات تكعيبية منفصلة ومتصلة، وقادرة على خلق توازنات تفرضها النظم الهندسية لألوان ملتزم بها، وبدرجة سطوعها على السطوح من حيث الرؤية والخط الحاد ، واللون المتناقض والقوي.

متعة بصرية حسية ملموسة ومحسوسة، ومدروسة بتقنية فنية لها امتدادها وزواياها البيئية، والجمالية الخاصة بمساحة كل لوحة وفضاءاتها الزمانية والمكانية، ومقاسها وقدرتها على الاحتواء الهندسي ،والتفاصيل الزخرفية المتينة هارمونياً، مما يوحي بأبعاد بانورامية ملونة تتخطى اللوحة، لنبحر معها خيالياً ونبني الواقع ،وكأن رسوماته ما هي إلا تركيبات عضلية لأجساد يفككها ويركبها تقنياً، ومن ثم يعيد ترتيبها وفقاً لمعطيات هندسية ورقمية لها ازدواجيتها. أو بالأحرى ليمنح الرؤية ديناميكية بسيطة للمتأمل، لكنها معقدة رياضياً، لأنها مبنية على الكسور أو الاختزال أو ما يشبه اللغة المسمارية، ولكن بأشكال مختلفة من الأحجام، وكأن اللغة المرئية عند " حسين ماضي" ما هي إلا فن أو لعبة ورقية تمتلك خفة أنامل تجعله يتقنها حركياً إبداعياً وفنياً، فتجريده المبسّط للاشكال يمنح الهوية للخطوط الحادة الرفيعة والعريضة، لأنه يعتمد عليها كأساس فني له بنيته التركيبية، وتكعيبيته الجمالية الصارمة في نظمها، وكأنه يمارس ترتيب مفرداته في فضاءات تعبيرية موسيقية تبث كوميديتها في نفس المتلقي، فيشعر ببساطة الحركة في جسم الإنسان الحراري، وفي الكائنات الأخرى الشبيهة بالأرقام الصحيحة والمركبة ، وكأن الإنسان ما هو إلا لغة بشرية تتماسك وتنفصل، تتنافر وتنسجم لها قيمتها الصحيحة والمركبة.

مفاهيم رياضية اعتمد عليها " حسين ماضي" فنيا لتقديم ما هو مميز تقنياً وإبداعياً، فالمجموعات الحركية المركبة هندسياً على سطح مستو، تمتلك صلابة رؤية متينة ذات مميزات جريئة تصويرياً، وكأنها مشحونة بسرعة ألوان تكنيكية تختلط بابتكارات بصرية لها إيقاعها الموسيقي أوما يشبه موسيقى البوب أرت،ومن منظور تكعيبي يبدأ من خط حاد وضوء له زواياه ونقاطه المحورية، وينتهي بلون تجريدي يحاكي قوة المشاعر وجمالها النابض بالفن والفلسفة والحياة. يمتلك الفنان " حسين ماضي" مهارة حسابية رياضية لها أعدادها التراتبية في أكثر من لوحة، وكأنه يكتب لغة أبجدية فنية مبنية على العدد وقيمته الجمالية، من حيث الكثافة والاختزال، الزيادة والنقصان، الوجود والنظام الحياتي المبني على القيمة التكوينية، والإيقاعات الحسية المتوالفة مع الحقيقة ،كالانسجام بين العقل والعاطفة،وبين الاستنساخ والتشابه ،والتماثل والتطابق والتجانس ،والتناغم،والتنافر ...

إن الخطوط الحادة في الأشكال التكعيبية أو التفكيكية البنائية داخل لوحات " حسين ماضي" ، ما هي إلا تجريد هندسي يجعله يختزل من التعابير، ليضيفها إلى اللون،وكأنه يرى الحقيقة الكونية تتجلى أمامه من خلال الرقم واحد الصحيح ، والأرقام الأخرى أو من خلال الأحرف الأبجدية وهندستها الجمالية الشبيهة بحركتها قوام الإنسان ،والنسبة الذهبية المرتبطة بشكله، وحجمه وكينونته البشرية، لينطلق مع الفكر نحو غياهب الخلق ،وهذا ما يجعله يتمتع بمرونة فنية بسيطة جدا ومعقدة في آن ، فالسر بمقاييسه الجبرية والأعداد الصحيحة ،والكسور وما لها من دلالات إيحائية في أعماله التي تعيد أساس الشكل إلى الرقم (1) أو الحرف ( أ) ونقاطه الأساسية في الرسم الكتابي أو الخط العامودي والأفقي الذي يقسم الدائرة إلى نصفين ، وهذا ما يميز أعماله في استحواذها على الذوق الشرقي، والمضمون الهندسي والحسابي ،والأسلوب الزخرفي الملوّن، وكأن الشكل المرسوم أو المنحوت أو المقصوص يشبه لعبة (طي الورقة) ،وما تحتاجه من مرونة وليونة، وخفة ، ونظرة حادة، وإدراك لقيمة الخط وقدرته على رسم الشكل مع إظهار المقاييس الفنية بجودة عالية، وبخطوط بسيطة لها فضاءاتها التشكيلية والتخيلية، مما يمنح لغته البصرية النغمة الحياتية ، والهندسة المرئية المرتبطة بتكوينات متوالفة مع بعضها البعض.

اسقاطات انسيابية على الأشكال وعلاقتها بالفراغ والضوء ، ليكبح جموح اللون الأساسي وسطوعه مع القدرة على إجراء تعديلات بصرية متعاكسة الخطوط اللونية، والزاويا بغض النظر عن استقلالية كل حجم، ووفق أساليب متعددة سعى من خلالها إلى بسط المفاهيم أمام المتلقي، ليدرك العقل الباطن أهمية الحواس في إدراك المتناقضات الحسية بين الحار،والبارد،والضوء،والعتمة،والظل، والفراغ، والداخل والخارج والانسجام بين الوحدات الفنية ودلالاتها السيكولوجية والحركية محاولا " حسين ماضي" تقديم لوحة فنية مستقلة بذاتها ، ليبرهن أن للفن جمالية لها عالمها الخاص والمرن من رسم ونحت، وكولاج، وما إلى ذلك من أنواع مختلفة، لكنها تبقى ضمن عالم واحد هو الفن بذاته.

تصورات عقلانية ذات ألوان عاطفية دقيقة منطقياً، وجوهرية في حركتها المتماهية، وتكرارها الجيومتري مظهرًا الأحجام من خلال تناقضات الألوان ، ودرجاتها الطولية ومن حيث تنافرها وتضادها ملتزماً بمبدأ التحليل الفراغي، والتفكيك المنطقي لخطوط الطول والعرض، ليختزل الألوان بالأشكال، وبعكس ذلك بينما يقلل من أهمية الخلفية تاركاً للتكعيبية التركيبية وزواياها المسطحة أن تتوازن في لوحاته، ولكن ضمن مساحات نظم تكوينها بأسلوبه التصويري الخاص القادر على إعادة البناء والترتيب في كل مرة يتجول البصر بين أشكاله وأحجامه ، وفراغاته مستمتعاً بالألوان البراقة ، الصافية والممتعة ضوئياً وبصرياً. لأن " حسين ماضي" يدرك أهمية الخلق والتكوين الفني المعتمد على النظام الكوني.

Doha El Mol