رحلة الفيل الأزرق الأخيرة.

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "الفيل الأزرق" للروائي أحمد مراد .

خلط الروائي أحمد مراد مزيج روايته بلغة سينمائية متحركة لا تنتمي أدبيا إلى عناصر روائية بمعنى الكلمة، لكنه تحرر من القوالب الكلاسيكية المتعارف عليها، ليضعنا أمام التاريخ وجها لوجه، وربما التاريخ المثير للسخرية بقصصه وحكاياته المشبعة بآثار ما زلنا نحتفظ بها، ومنها قميص المأمون والكتب القديمة جدا مع جرأة بوليسية بطلها "نائل" الشيطان المتلبس بجسد شريف، ليرتقي بالحاضر نحو مفاهيمه السينمائية، وبمفتاح الكلمة الدرامية والصورة المؤثرة أو الحركة أو كما يقول المخرج الروسي بودفكن:" كل لقطة من الفيلم تحقق بالنسبة للمخرج السينمائي نفس الهدف الذي تحققه الكلمة بالنسبة للشاعر" وهذه تماما معادلة أحمد مراد حيث تماشى مع الكلمة التقريرية ذات الحركة المشهدية التي تتسرب بوليسيا إلى ذهن القارئ ، محققا انفعالات ترتكز على التقاط الدهشة المتكررة، كأنه البطل والمخرج في الرواية، إذ يعتمد على عنصر السينما المباغت لكل ما هو غير متوقع، ليجذب القارئ من البداية إلى النهاية، ضمن سريالية تاريخية لمبدأ قصة قميص المأمون، ولحساب الجمل أو علم الحروف ولغة الجسد، وكل ما من شأنه مخالفة علم النفس في مفهوم المس الشيطاني، أو الطلاسم التي تعيد نفسها جدليا و تاريخيا، وتجعل القارئ أمام شك يبحث بعدها عن يقين ما في داخله، وقد نجح أحمد مراد في جذب الانفعالات الحسية، ليندمج القارئ في روايته السينمائية بل يبقى داخلها، ليحتفظ بقميص المأمون وبتاريخ ربما أخطأ بعض المؤرخين فيه، فهل هذا هو ما يهدف إليه أحمد مراد من روايته أم أراد فتح باب النفس وطهارتها؟ كما فتح يحي كتاب" تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار" للجبرتي.

مفاتيح وسلاسل نفسية أتقنها طبيا، ولكنه منح المرض النفسي فرصة للخروج من المعايير الطبية باعتباره مادة روائية غنية بالمراجع والمصطلحات التي اعتمد عليها، لينطلق في الماورائيات مع فكر السحر والشعوذة، أو التقليد الأعمى للغرب المبني على سلوكيات لا تنتمي إلى مجتمعاتنا، لكنه قدم نهجا بوليسيا يثير دوافع القراء به ولا سيما الشباب منهم، هذه السلوكيات الغرائبية من تاتو وخمر وحشيش الدخيلة علينا اجتماعيا برغم أنها قديمة المنشأ، لكنها بعيدة عن ثقافتنا العربية ، مع بعض الموروثات الذكورية التي نشأنا عليها عبر أزمنة ما زالت تتعاقب علينا تباعا، حيث رفض شريف تزويج أخته ليحيى، لكن أحمد مراد تنحى عن ذلك بخفة وغموض، وفتح لنا رحلة نفسية موصولة تاريخيا بحقب تتشابه في أحداثها ضمن إيحاءات دينية أدخل عليها من العلم النفسي ما يشفع لأدوية تدخل البلاد دون معرفة مصادرها، وربما هي التي تسبب هلوسات تقود البعض إلى جريمة لم يخطط لها، وربما إلى عمليات انتحارية، إذ تفتح لهم أبواب العوالم البرزخية، لتنتشي الأرواح، ويفقد الإنسان السيطرة على نفسه.

استطاع أحمد مراد تحفيز القارئ على الرؤية والإصغاء المتخيل، ولكنه لم يمنحه أدبيا صياغة روائية تثري وجدانه بالجمال اللغوي أو الصور البيانية القادرة على إدخاله أجواء الأدب، إنما أدخله إلى متاهات نفسية وتاريخية تعتمد على الحركة والفعل، ومصطلحات مفاهيمية من الكتب القديمة التي تروي بعض الأحداث المتشابهة في أيامنا هذه مع الحفاظ على الراوي العليم بكل شيء حتى بكوابيسه السريالية التي استيقظ منها وهو متزوج من حبيبته القديمة، ولم يشعر بكل الأحداث الروائية المتبقية مع صوت نائل المتحدث الرسمي باسم شريف الذي تزوج يحيى من أخته فيما بعد، والتي اعترفت له بعدم نسيانه " إلا أنت.. فشلت إني بانساك..وفي نفس الوقت مرعوبة من وجودك...بيجي لي كوابيس طوال الوقت.. وأنا أصلا باتكلم وأنا نايمة ..عارف ..ساعات باتخيل أني ممكن من غير وعي أنطق اسمك.. أو لو حتى عملت عملية.. تحت البنج ممكن أتكلم عنك." فهل من جفاف لغوي يصيب رواية بحثت عن عناصر جذب للقراء، ولم تبحث عن عناصر روائية ذات أسس أدبية .

تضج الرواية بمصطلحات طبية وأسماء أجنبية وغالبا أسماء لزجاجات خمر أو لعب فيديو أو تبغ أو بار"سكتت وقطبت جبينها ملقية بعينيها بعيدا تستدعي من الذاكرة شيئا..Son of the bitch” ..مين تاكي.. تاكي بس ده غالبا ..و Gay" أصلا مايا كانت بتجيب من عنده Some Stuff..Stuffإيه؟ ..LSD”".....LSD"إيه؟ بس؟ طيب معاكي حاجة من ال stuff” " ده دلوقتي؟ ..مايا هي اللي كانت بتجيب عشان تاكي مقرف وبيحفلط عشان يعمل Delivery" Ohh My Bay أنا مش مصدقة؟ هذا مع الاهتمام بإظهار بعض أنواع لجملة انكليزية، فما المغزى من إتعاب القارئ بهذه المصطلحات الغريبة لكلمات تهبط علينا من هنا وهناك في حوارات كان يمكن اختزالها قدر الإمكان، وبجمالية أدبية يمحو من خلالها هذه الديباجات التي تفتقر أدبيا إلى معنى جمالي لو حاول الاهتمام به مع مراعاة البحث في صفحات غوغل لكثير من أنواع الأمراض التي أراد شرحها للقارئ .

صراع نفسي مرير يعايشه يحيى، وهو الطبيب النفسي المعالج والمصاب أيضا بمؤثرات" الفيل الأزرق" ذاك الدواء السحري الذي يسحبك إلى عوالم برزخية، وربما إلى هواجس النفس البشرية المتأثرة بالقصص التاريخية التي تسخر منها الرواية، وتتماشى معها في آن، محاولا بذلك خلق موتيف جديد لرواية هو بطلها، ولفيلم سينمائي أخرجه روائيا بسرعة فنية افتقدت لعين الكاميرا أو لعين الروائي المتمكن من أدواته، وبمنظور مألوف غربيا، ولا يتسم بواقعية الحياة التي نعيشها بل بعبثية وجودية وفوضوية تعم مجتمعات تأثرنا بها، وتتواجد في تربتنا الشرقية، لكننا أمام كل هذه التناقضات المربكة في صياغة لم ألتقط من خلفياتها إلا الوساوس السريالية، وما هو متواجد في ثقافات شعبية ذات عشوائيات لا تملك إلا الإيمان بالشعوذات والسحر والطلاسم، وفي تشخيص كطبيب معالج لحالته يقول :"المريض يعاني من حالة انسحاب اجتماعي مصحوب بتبلد في المشاعر يفقده الاهتمام بكل ما حوله " باستثناء الكحول" تلك مؤشرات واضحة لتضرر ممرات المخ العصبية، وهو الذي قد يؤدي لسماع أصوات واختلاق مواقف لم تحدث، وبالتالي فالأرجح حدوث حالة فصام مصحوبة بهلوسة، تمت إثارتها بحبوب DMT تحمل رسم فيل أزرق، أثرت بدورها على مستقبلات السيروتونين ( هرمون تنظيم المزاج) التي تدهورت تدريجيا من تأثير الكحول"

حريم سلطاني ووشم الوردة المسحور مع قافلة الجمال، ومشاهد سريالية من مارستان قلاوون وعودة إلى صفحات كتاب انتشل منها " في الأربعاء سابعه نفذ الخنق في امرأة بحضور زوجها ويدعى المأمون مع من حضر، وهو الذي أرشد عنها، وكانت قد ذبحت خادمتها وخياطا وجنينا في أحشائها يشبه خلقة الكلب مثل وجهه وأذنيه وله نابان خارجان من فمه ،أخرجته بإبرة طويله ومزقته، وكان حاضرا الحكم " ديباجة فنية تخلخلت فيها الطلاسم بعلم الطاقة الإيجابية أو" المولادارا شاكرا" وكتب تحتوي على أبواب متعددة من العناوين الجاهزة لخدمة الرواية ذات المتاهات السريالية والغيبيات المتلاحقة التي تولى فيها أحمد مراد السيطرة على القارئ الذي استنتج في النهاية أنه وقع تحت تأثير"رحلة الفيل الأخيرة ما بين الكاف والنون".

ومضات سردية سريعة نستفيق منها بقياس درجات الحرارة في كل مرة، وهي الانتقال من حال إلى حال، ومن بداية إلى بداية مختلفة، لنائل آخر ترك أثره في أحشاء امرأة أخرى، ودائرة محشوة بطلاسم وسحر يحيط بأمراض نفسية معقدة، وحوارات تعتمد على مفردات غربية لا محل لها من الإعراب، أو ربما هي من أدوات التجميل لحوارات افتقدت السخونة البوليسية، وتركت لوصف تقريري بسيط يستحوذ على الأجناس الأدبية التي افتقدناها في الرواية مع مراعاة في تركيب مستوحى من الكتب القديمة التي سيطرت على مفهوم الرواية، فهل يحيا قارئ رواية الفيل الأزرق في جسد ورقي بعد أن استفاق من كابوس روائي يصيب بالهلاوس؟

Doha El mol