الجيل المتحرك

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "موسم الفوضى" وول سوينكا، ترجمة عبدالكريم ناصيف.

تتدخل الثقافات الخارجية في تكوين الشعوب ولا سيما الشباب المهاجر من وطنه الأم إلى أوطان أخرى، أو الشباب المسافر لطلب العلم أو العمل، وفي كل الأحوال تضيف الدول لبعضها ثقافات مختلفة، منها ما هو سلبي، ومنها ما هو إيجابي، إنما للوطن اتجاهاته الشعوبية التي لا يمكن إلا أن تندرج تحت مسميات استخدمها وول سوينكا كمصطلحات موحدة لتكون بمثابة انطلاقة روائية في رواية تحت عنوان "موسم الفوضى" فمن هم أفراد الجيل المتحرك الذين تحدث عنهم معرفا إياهم بمن يعملون بالصناعات الجديدة التي تعود عليهم بالمعارف التقنية، وبرمزية تشير إلى الدول الصناعية الكبرى وتحولها، إنما لأناس لا يستسلمون لإغراءات الحياة الأخرى أو القيم، فهل يبني وول سوينكا مجتمعا فاضلا ضمن أسئلة حياتية لا تنتهي، إنما هم "أضواء المدن لم تكن تبهرهم، فحبل السرة، حتى وإن كان يشد إلى أقصى درجة، لم يكن يقطع أبدا؟ فهل يقصد الوطنيون الأحرار والأوفياء لبلادهم؟."

بيئة تضع كل شيء قيد السؤال، ورواية تتخذ من التحليلات البنائية لأدب سياسي يعيد كل شيء إلى منابعه الأولى، إلى الأسباب والملامح التكوينية لسياسات تتناول أسباب التغيير التي بدأ بها وول سوينكا بالتدريج من علماء الاجتماع إلى الصحفيين، وبتتابع روائي مبني على صورة المجتمعات التي تبدأ بالانحلال من علو إلى انخفاض، ليصل إلى قمة الأدب الروائي بفكر رمزي يمسك بالماضي منذ عشرة أجيال حتى المستقبل المتوقع من تحليلات الحاضر التي يضعها أمام القارئ، كبحث دراسي عن تأخر الأمم، وقيام الحضارات وزوالها، ليتمعن القارئ في كل جملة يقرؤها، حيث يترصد حركة شخوصه الروائية بحذافيرها بدقة تصويرية وتحليلية لأدق الأمور التي تهدف إلى خلق خلفيات معنوية تشد أواصر المضمون لبعضه، بحيث لا يستطيع القارئ الإفلات من أي كلمة تضعه تحت تأثير اللامبالاة أو الشعور بالإهمال لأي جزء منها، فالرضى الذاتي عند شعب الكاكاو هو العودة التي تتركهم يستقرون في أوطانهم دون أن تجذبهم بهرجة البلدان التي كانوا فيها، وهذا يثير الاستغراب، لأن الإنسان ميال بنزعته البشرية إلى البحث عن الأفضل.

وعي ارتبط بشخصية لا تكف عن التساؤل، ولا تترك أي ثغرة دون الاستفسار عنها، وكأن أوفي هو العقل الروائي المنتفد لكل حركة يقوم بها الجيل المتحرك في مجتمع لا واع يكتسب خبراته من الخارج، ويعود إلى ذاته أو إلى" رائحة العفونة، الأسى الذي يطغى على كل مكان كهذا. في حالة الأزمة يمكن أن يصبح قاتلا، وعلى ما يبدو فإن جيلنا قد ولد ليعيش أزمة طويلة." فما بين الواقعية والرمزية استنتاجات تحاصر القارئ بقوة، إذ تتراءى الصور على مخيلته من خلال السرد القصير، والحبكة المتينة المترابطة مع الأحداث التي يستقرئها الفكر، وبذهن منفتح على كل التفاصيل في كل الزوايا الروائية التي ينثرها وول سوينكا هنا وهناك بفن روائي محكم وقادر على بث مفاهيمه الاجتماعية المبنية على نظرة الحرب والسلام.

رمزية واقعية غارقة بالمثل المتناقضة مع بعضها ضمن حوارات العقل الواعي، أو شخصية أوفي التي تفتح الفهم لاستنتاج ما يهدف إليه وول سوينكا برؤية اجتماعية سياسية معاصرة أدبيا، تستوعب كل الأفكار الفنية التي يرسمها بوعي أدبي يتناسب مع التحليلات النفسية والاجتماعية التي يقدمها بغموض تتضح أسبابه كلما تدرجنا في قراءة سطوره الداخلية، والعميقة موضوعيا، ناهيك عن الأحاسيس والانفعالات التي يضعها كسيناريو ذي مشاهد مفتوحة بتعبيراتها عبر وصف اختزالي يؤدي دوره الفعال في خلق جمالية أسلوبية تدهش القارئ المكبل في متابعة أوفي، والأحداث التي بدأت من الذروة الفكرية إلى الذروة التحليلية مرورا بتصورات فلسفية رزينة في ارتباطاتها الإنسانية مع سيد الحبوب أو سيد الشعب الذي يحكم شعبه بغض النظر عن الأرض الصالحة لزراعة الحبوب التي يتولى السيادة عليها "إن الحبوب لا تعني التغذية فقط بل تعني التكاثر أيضا" فهل نحن شعب للتكاثر فقط يقتنع بكل ما حوله، ويستسلم برضى يجعل كل شيء مستباحا من حوله؟

رواية تشير إلى المستقبل القلق نتيجة الحاضر وتأثيره على الأجيال التي يضعها ضمن تشظيات تعصف بالرؤى وتقنيتها الهادئة المحرضة على المتابعة من خلال طروحاته الذهنية التي يتركها عبر مختلف الشرائح الداخلية والخارجية، أي البنية الاجتماعية للشخوص وللقراء، وبازدواجية تتناسب مع فكرة المريدين الذي ينتظرون المزيد من حكيمهم ذي الرؤية الصائبة والعقل الرشيد "كان في ذهنه الكثير من الأسئلة والكثير من الاحتمالات، كانت آبيرو مفعمة بالوعود، بالأجوبة وبالقوى المحرضة المثيرة."

تراث أفريقي تزينت به الرواية من حين لآخر دون الإفلات بلُب الوصف الهادف إلى إبراز جمالية مجتمعات ترث حتى اللباس والعادات، ومناسك السهرات والاستقبالات، وما من سبيل للتغير، لأن الجذور متأصلة في النفوس التي تتبع كل هذه البروتوكولات المعروفة حتى على صعيد العالم ولا سيما عند موت رئيس أو قائد أو حتى في مناسبة سعيدة ، فازدراء المعارف الميتة وتعطيل الذاكرة، الحياة الأفضل، والقناعة التي يتم زرعها كما الحبوب في نفوس الأطفال، ليحافظوا على الاييرو والايبتومو هي فهم لقوم يدركون قيمة الإنسان والحرية في المعتقدات، وحسن الاختيار أو سوء الاختيار، لأن الإنسان لا بد أن يختبر الحياة تحت عنوان " اقبل ما نصنعه أو ارحل بملء إرادتك" فلماذا أسباب التفرقة هي مشاكل التجارة، مشاكل الحياة الشخصية الأطفال، التعليم، الملكية؟ لا بد هنا من الوقوف عند مفترقات الحياة الخطيرة التي تتسبب بالنزاعات والصراعات اللانهائية، حيث يظهر الرجل العجوز، كمؤرخ للحظات تشهد على الفكرة نفسها التي تراود الإنسان غالبا في تطلعاته نحو أشكال العيش المختلفة، بفلسفة أشار إليها بحكمة اجتماعية تميل إلى بناء الأوطان ضمن نظرة معافاة من التشرذم مع رجل أتى يبحث عن اتباع أو نماذج معمول بها في أوروبا، فأسلوب العيش في الاييرو أو الاييتومو هو حلم الإنسانية عبر العصور، فهل هي نظرة إلى المجتمعات الفاضلة التي لا يمكن تحقيقها في ظل الأيدي التي تزرع الحبوب الفاسدة؟

لوحات فلكلورية متعددة رسمها بدقة تصويرية تثير الدهشة، حيث لكل مناسبة مراسيمها الجماعية المشدودة بأواصرها إلى العادات والتقاليد لبلد ينتزع السلام من العالم دون جدوى، إذ ما يتمسكون به كجماعات لا تؤمن به النماذج المعمول بها في أوروبا، وهذا يتضاد مع المفهوم في اييرو او اييتومو، ولو ضمن النفي والقبول" يأتزرون أزرا أرجوانية تشق الظلمات.. الرؤوس مطرقة إلى الأرض دون النظر إلى أحد ، آهات عميقة كانت تتصاعد، مرتعشة عبر الهواء الساكن كما كانت الأرض تردد بنبرة مرتعشة الصوت الثقيل الذي كان ينطلق بالنشيد الجنائزي للأرض المستحمة بالنعاس" فهذا المشهد يضعنا أمام مشاهد التشييع الجنائزي المعمول به في أغلب البلدان حول العالم، وكأنه يشير في هذا إلى الإنسان منذ العصور القديمة حتى الآن بقي محافظا على العادات والتقاليد حتى ضمن البروتوكولات المعمول بها حتى الآن، فهل نحن ضمن الماضي في حاضر نبحث من خلاله عن الإنسان وقيمه التي بدأت تفقد حلم الإنسانية؟.

رواية تطرح أكثر من سؤال بدءا من السياسة إلى الاجتماع إلى الأدب إلى الأنماط الفكرية والشعبية، إلى التلوث الفكري والمناداة بالعودة إلى المثل والقيم التي تحفظ الإنسان وتضعه ضمن خير البرية، فما ينطبق على جماعة صغيرة من الناس تصلح أرضهم الخصبة لزراعة الكاكاو، تنطبق على جماعات أخرى، وما ينطبق على المرأة عندما تبدأ ذروة اللقاء بها في أشدها تنطبق على المفاهيم التي نتبناها وتبدأ ذروتها بالهبوط رويدا رويدا، لنحاول الحفاظ فيما بعد على ما نمتلكه فقط، فهل استطاعت أفريقيا الحفاظ على ثرواتها؟ وهل استطاعت الكثير من الدول الحفاظ على مصالحها في ظل الأطماع والصراعات التي تعالج الرواية أسبابها بحنكة روائي اصطحبنا مع أوفي كما يصطحب الحكيم مريديه.

Doha El mol