عمق الزمن لا يُرصد فقط من خلال السنين.
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية " بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات" للروائي المغربي محمد برادة.
يرصد الروائي محمد برادة في روايته " بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات" حركة الزمن ضمن سرد تفاعلي مفتوح الفضاءات، بذهنية ناقد وعبر عناوين يضعها أمام القارئ، ليتفكر بها، وينتظر تحليلاتها المتتابعة مع السرد المرن وبمقولة "عمق الزمن لا يُرصد فقط من خلال السنين." فهو يتعمق بالمخزون الروائي، ليصل إلى الحاضر المعاصر عبر مادة تاريخية ترتبط بثلاثيتها مع الذات الروائية متسائلا عن استعداد المغرب للانخراط في الألفية الثالثة، وهذا كاف لتتيقظ حواس القارئ، ليشد بصره متجها نحو الكلمات بنهم تحليلي يستتبعه بوعي روائي تفاعلي، لأن ما ستحتفظ به الذاكرة عند القارئ هو ما سيضمن نجاح الرواية في نهاية لا يدرك كنهها القارئ، برغم أن خيوطا كثيرة يتركها ليمسك القارئ بها، ولا يستطيع إفلاتها حتى بعد نهاية الرواية، لأن الذاكرة التاريخية ستنتعش، وتبدأ بإعادة الزمن، وضمن تطهير تاريخي من الشوائب التي نستنتجها قبل أن ننخرط في الألفية الثالثة، ونتساءل: هل نحن مستعدون كعرب لذلك؟
نقد اجتماعي يتبعه نقد سياسي وبلغة روائية حبكها بمعرفة تاريخية، وخبرة مصقولة بمادة تاريخية يجمعها من هنا وهناك، وبحنكة خفيفة المسار في توجهها نحو الأنواع الأخرى كنوع من ترفيه أسلوبي مقترن بنوع من التحقيقات تحتاج إلى رؤية يضعها بين عدة نقاط، يتركها للقارئ لتثير ذهنه، وكأن خيوط روايته حقيقية جمعها من البحث والتدقيق والملاحظة في أثناء مساعدته للأستاذ الرحماني، وبتقاطع ذاتي مثير للدهشة، إذ يبدأ بسرد ذاتي لما يحتفظ به في ذاكرته عن أبيه، وبحرص شديد على الأم، واستكشاف للعالم من حوله، وهذا الحديث عن الذات أشبه بتشابه يحاور به القارئ بتجاور نسبي حرص على إظهاره، ليمنح القارئ راحة نفسية قبل الخوض بالعقدة نافيا أهمية معرفة السارد معتبرا نفسه بذلك كالقارئ يضيف من الذات على الشخوص بالتشبه والتشبيه، والتكرار الزمني الذي نجهل تفاصيله في الغالب، لأننا نرى الأحداث تتجدد أمامنا كما نقرؤها عبر كتب التاريخ، ولو بأسماء وأمكنة وأزمنة مختلفة، لكنها تتشابه، فهل يحاول نفي تاريخية الرواية؟ أم أنه يتمسك بالمفتاح الروائي للدخول إلى ذهن القارئ بيسر وحنكة؟
هل ينصف التاريخ الأزمان الغابرة؟ أم أن التاريخ هو رؤية مغايرة للحقائق التي نعيشها في زمن نجهله، ومن ثم تقرأ عنه الأجيال الأخرى التي لم تعايش فترات الرخاء والشدة، إنما تعايش ما تقرأ عنه وما تسمعه من رجال اعتمدوا على الذاكرة، وليس على كتابة المذكرات" أن من قابلتهم من المناضلين والمقاومين والزعماء الساسة لا يكتبون مذكرات أو ملاحظات متزامنة مع الفترات الماضية من حياتهم . وجدتهم يعتمدون على الذاكرة، وكثيرا ما يلجؤون إلى الظن، وغالبا ما يضمخون أهمية ما عاشوه أو أنجزوه" وكأن القصص التاريخية تتعرض لنوع من الحجج والأدلة غير الملموسة، والمبنية في غالبها على تصورات تخيلية لا يمكن الاعتماد عليها، لأنها تخرج من الذاكرة وليست مكتوبة، وفي هذا تفاوت، ولكن ضمن الأبعاد التخيلية التي يضعها بين يدي القارئ، أو بالأحرى يبسطها على أرض الواقع بفن روائي تحفيزي ينجذب إليه القارئ بيسر ودون تعقيد، لأن القارئ يريد معرفة محتوى المخطوطة المحفزة للوصول إليها، وكأنها جزيرة الكنز يلفها الغموض، والخارطة هي الرواية بكل حذافيرها.
عمق زمني يشير إليه إلى ما قبل استقلال المغرب، وبتواريخ أعمار متقاربة ومتباعدة، ودبلوم ربما يزداد قيمة لو نال المغرب استقلاله، وما بين الثقافة والعلم حضارة فرنسية يبحث عنها كل من يريد العلم في الغرب، فالانبهار بفرنسا كان وراثة الوالد الذي" لم يكن متحمسا لتلك المطالب، لأنه مبهور بمنجزات فرنسا وقوتها، وأيضا لأنه يستفيد من السلطة التي منحته إياها" لحظة مبهمة تشبه المرأة السريالية في حياة ضمخها بسيرة ذاتية، لتكون فاعلة في عمقها الباطن، فالمرأة كالوطن، لكن لفسحة التخييل الروائي في أسلوب محمد برادة يدفع بالقارئ نحو الجذور والعودة إلى الطفولة، وتأثر كل منا بذلك حتى الوطن يتأثر بزمنه الأول، وبالأحداث المتتالية المستقرة في الذاكرة والشبيهة بالاطمئنان النفسي الذي بحثت عنه دكتورة نبيهة، لأن الاحتفاظ على نمط العيش الموروث يحتاج إلى رؤية يقينية نابعة من الأصول الوطنية المؤمنة بتاريخها هي، وفي هذا تطلع نحو الإنسان المحلق بدوافعه، لكن النظرة إلى الغرب دائما محفوفة بالإعجاب الانعكاسي حيث" يتقبل توفيق بينه وبين نفسه أن تكون فرنسا المنارة التي ستخلص بلاده من عقابيل القرون الوسطى، وتدفعها لاستقبال أنوار القرن العشرين."
لم ينس محمد برادة لمسات الأم النورانية وأهميتها في حياة الطفل ولا سيما بما تزرعه في النفس من أمل في الحياة المشرقة، وأسبقية الواجب على العاطفة لنيل المراد عبر التخطيط للوصول إلى الهدف الحياتي المنشود، ضمن مقارنات يخلقها في حبكة تشتد وتتشابه بين سلبية وإيجابية كل من الروائي والنساء الثلاث وتوفيق والخادمات الثلاث، ولكل منهما هدفه المنشود، فما بين جمع التاريخ وصنع التاريخ مساحة تخيلية يتركها مفتوحة الفضاءات، ليرسم من التواريخ الذاتية حكايا الأمة العربية وواقعها المصغر معتبرا المغرب نموذج الدول الأخرى من " فرض الحماية الفرنسية على المغرب " وصولا إلى ثمرات " التحديث الذي نجحت فيه الحماية الفرنسية " دون نسيان الثقافات الدخيلة على الوطن العربي جراء" السينما التي أصبح لها الآن دور كبير في التقاط تحولات العلائق والعمران والأفكار" مع إبراز دور" الفضيلة لا توجد غالبا إلا في جوار الرذيلة " والاحتفاظ بالتواريخ الزمنية المهمة للرواية كخطاب الملك محمد الخامس في طنجة 1947.
يحتفظ محمد برادة بالأسلوب التاريخي المتشابه مع تحولات الزمن المتسارعة الذي منحه كيفية التحديث والدخول والمغادرة من قبل جيل بعد جيل وحتى الثورات والهيمنات، كخلايا متناسلة تفرخ في مختلف المدن مع الاهتمام بالمناهج المدرسية المخفية عن الأعين، أو المهملة من قبل الكثيرين باعتبارها" لا تخلو من التكوين السياسي" كما إن المعرفة والشهادة ضروريتان لارتقاء سلم الاستقلال" إنه يمهد لتغيير الهوية الموروثة باتجاه أخرى ما تزال قيد التشكل" فالإيحاءات ضمن الحدث التاريخي وواقعه هو لعبة الزمن "رياح الثورات الانقلابية التي هبت على مصر وسوريا والعراق" لتبدو حبكة الرواية مشغولة ضمن تفاعل مشترك بين الأدب والتاريخ والاستقصاء والتحليل، ولكن بوجوه ذاتية تأخذ من نماذج الشخصيات ما هو مرتبط بالحدث وبتعميق الرؤية من حيث التشابه الزمني والفعلي في التاريخ المرتبط بالماضر والمستقبل، إذ يترك للرواية حاضرها الخاص " تبدو لي فرنسا حاضنة كل الأسئلة التي قد تخامر شعوبا تتطلع إلى توازنات معقولة تضبط علاقة الفرد بالدولة أي لب الصراع الإنساني الذي كلف الكثير وما يزال.
" التاريخ قائم على تغير الأحوال والمواقف والعلاقات، وهذا التغير يرغم الإنسان على أن يبدل تحليلاته وأحيانا موقعه، مع أنه قد يصر على إيهام نفسه بأنه هو من يغير مجرى التاريخ " عبارات تخترق الفكر بانفتاحها غير المحدود من حيث الفعل وردة والفعل، والتفاعل القائم على أدبيات السياسة المتغايرة في زمنيتها على الأشخاص مثل توفيق الذي تحول إلى الاعتزال والوحدة بعد إدراك إنساني لقيمة الإنسان وعمره وثقافته وأدبه، وحتى معرفته وارتباطه بتراثه وبيئته حسب ما تستحضره الذاكرة يميل إلى الأخذ بعين الاعتبار للمساحة المتخيلة من الراوي، لتنتقد التفاصيل بين الفروقات السياسية الأساسية، والفروقات المتحولة عبر الزمن وبمقارنات تربوية انتهجها من الطفولة السعيدة أو الحزينة وصولا إلى المناهج التربوية وأهدافها في التكوين الثقافي والمعرفي، والاهتمام بالنضال من أجل التغيير في فترة عمرية تنتاب الشباب الطامح إلى تجديد الحياة تبعا لرؤيته أو مفهومه الشبابي المتأثر بالبيئة والثقافة، إضافة إلى مفاهيم غربية خارجة وافدة عبر مفاهيم ماركس وغيره.
تكافؤ في عناصر الفكرة الروائية المستمدة من المادة التاريخية روح العصر، ومن الشخصيات التشابك الحواري للذات الثائرة على تناسب العصر، واستنكار لمبادئ العفة والتنسك التي باتت من مبادئ العصر الحديث، وبسلبية لا تطلع فيها إلا إيجابيات القيم والأخلاق، بل بمقارنات بين شخصيات مختلفة ما بين توفيق الصادقي وفالح الحمزاوي، والفروقات المرافقة لتربية كل منهما ما بين المؤقت والمحظور والخير والشر، وترادفات الحياة التي يخوضها الرجل بحكمة وتهور ليستريح من تبعية العقل بالعاطفة، لأن تبدلات المشهد الداخلي في الرواية يرتبط بتبدلات المشهد التاريخي في المغرب وصكوك التراضي بين الفاعلين في ساحة السياسة، وهذه صفة تلازم الحكومات في العالم منذ بدء التاريخ حتى الآن، وإنما هي دائرية الزمن والتاريخ في لعبة الأحداث السياسية التي يمررها محمد برادة في رواية حبكها برؤية عميقة في دلالاتها المرأة والوطن والجنس والسياسة والشيخوخة والذاكرة .
زمن لا يلغي الحلم، ونكهة امرأة مع شخصيات ذكورية وضعها أمام المرآة، ليتركنا في النهاية مع نبيهة أو ( الوطن) ونقطة الانطلاق الحواري في تحقيق التوازن الحياتي المغاير عن التخييل والواقع، ولو بانتقادات اجتماعية مؤداها كسر التابو، وتحليل سلوكيات الإنسان التي يصعب فهمها تماما مثل مادة التاريخ التي تتبدى بتغيرات وتحولات لا يمكن الثبات فيها، لأنها تتراوح مع فترات الشباب والكهولة بتجدد دائم من غليان الدم الثوري وصولا إلى محاكمة الذات، فقد اعتمد على نوع من نصوص سردية، وأشكال فنية ونتف من حكايا التاريخ بعبرة الزمن المعاصر والتحديث الزمني للإنسان بدءا من" لعبة الشك المبدئي بحثا عن حقيقة مفترضة" و"علاقتنا بالماضي يجب أن تقوم على اختيار ما يتبقى صالحا منه في الحاضر والغد" فالخمسون سنة من عمق استقلال المغرب" فترة أشبه بالشخوص الروائية الذين دخلت حياتهم في قالب شبه نهائي، فهل اعتمد محمد برادة في روايته على ثلاثية التجاور والتقاطع والتوازي؟ أم أنه اعتمد على إيهام القارئ بفاعلية التاريخ وعملية تفاعله معه، ليحقق بصمة روائية لا يمكن محوها من ذاكرة الأجيال المتعاقبة؟ وهل نجح في طرح جدلية حركة التغيير في الوطن العربي، أو في ما يسمى بالربيع العربي ضمن رواية وصلت إلى سن اليأس، وتنتظر مولودها في ذاكرة المستقبل؟ أم أن لعبة البوكر وترشيح الرواية لها تحتاج لمواصفات روائية محددة اعتمد عليها ببراعة سردية تاريخية تحليلية لربيع هو من الماضي؟
Doha El Mol