مخزون موسيقي تنبض نوتاته في المعنى الشعري.

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة نقدية في ديوان " قناديل ملونة" للشاعر خليل برهومي.

تتكئ قصائد الشاعر خليل برهومي في ديوانه " قناديل ملونة" على مخزون موسيقي تنبض نوتاته في المعنى الشعري والوزن المتجدد ضمن الإيقاع والدلالة الشعرية الكلاسيكية والمعاصرة، وبازدواجية تنتفض على المعايير تارة، وتتوافق معها تارة أخرى من حيث القيمة اللغوية، وانضباط النظم وجمالية الانسياب في البنية الفنية للقصيدة التي تتصف بالسمو الحسي في اللفظ والإيقاع، والمعنى التجريدي والوصفي، بجمالية الأحاسيس المتباينة في المضمون المرتبط بالإيقاع الداخلي المنساب بتعبيرية تنساق من خلالها الحالة الشعورية التي انطلقت منها القصيدة محاورة ذاتها ضمن فضاءات القارئ والشاعر معا، وبصيغة لغوية متينة تتميز بجمال المعنى وموسيقاه المتباينة عبر الأضداد، والصور الشعرية المرسومة بنبض حسي ذي بناء تصاعدي عفوي في صيغته الصوتية من حيث الحروف وتقاربها ومدى انسجامها مع البنية ومتانتها الحركية والصوتية والبصرية." والشعر شلال أتوق للمسه/مرخي ومنسدل على كتفيك/ والحاجبان مزججان شبيهما/ سيفان مشكوكان في صدغيك/ أولا.. هما قوسا الغمام ملونا/ ن ويحرسان السحر في هدبيك.

الموقف المشهدي بحسية شاعر مفتون

تشكل البداية محور القصيدة في الديوان، ففي كل قصيدة يترك إيحاءات الفكر المتطابق مع المعنى المتلاشي مثل قصيدة الدمع الهتون حيث ترك لفولتير بصمة قوله: " إن الرجل لا يبكي إلا مرة، ولكن دموعه عندئذ تكون من دم" لينهي القصيدة بقوله: " إن في قلبي الحزين / رغبة البوح في حنين/ تخنق الحلق في أنين/ دمعتان " إذ يتعمد الشاعر خلق الأنواع المنسجمة مع التضاد والتكرار والتجانس النابع من التأثر بالصور الجمالية للغادة التي تسلب العيون بحلاوة وجهها والجفون إلى فاتنة العينين التي اعترضت سبيله، وقالت له: بربك صف جمالي تاركا لتقنيات السرد الشعري المبطن التمسك بالإيقاع المنضبط النظم مع الحوار المبني على تصوير الموقف المشهدي بحسية شاعر مفتون ترك للمفارقات اللحظية رؤيته الشعرية، فالشخصية الأساسية في القصيدة فاتنة رآها واقتنص لذة الحديث معها بحنكة شعرية انسجمت مع مقولة توفيق الحكيم: " العين تستطيع أن تحيط، ولكن اللسان لا يستطيع أن يعبر" إذ يقول خليل برهومي بعدها:" وفاتنة قد اعترضت سبيلي/ وقالت لي :بربك صف جمالي/فقلت : فإن وجهك جلنار، وجفنك مثل وضاح الهلال/ فالمفتون بوجهها عجز أمام لغة العيون فيقول بنهاية القصيدة "عيونك يا مليحة مثل نصل/ وهب يقوى الكلام على النصال؟"

المفردة والصوت والمعنى

ما بين الإيقاع السريع والإيقاع المتباطئ دوافع نفسية غارقة بالمشاعر والبواعث الجمالية في المفردة والصوت والمعنى، انطلاقا من طبيعة الحدث المتعلق بالإحساس المؤلم النابع من المكر المحصور بالماكرة وتاء التأنيث المرافقة للقصيدة من البداية للنهاية بنغمة الفراق الأبدي دنيا وآخرة، رغم مناداته لها رُدي أكثر من مرة، وهذا منتهى القسوة من امرأة لم يستطع محوها من الذاكرة، لأن صفاتها تتعرض مع ما آمن به معها، فالبعد النفسي في القصيدة اعتمد على التورية والقسوة في التعابير برغم لجوئه إلى استفزازها لترد عليه ولو بكلمة شافيه لجرح أجهض قلبه وروحه الطاهرة، وهنا يبين الشاعر أن المعنى المعاكس هو نفسي للبدء في القصيدة ب" رًدّي على رسائلي يا ماكرة/ فلقد محوتك من سجل الذاكرة/ لا شيء يربطنا معا فطباعنا / معكوسة وعقولنا متنافرة. فالحالة الشعرية انفعالية في استنفارها للمفردات السلبية الماكرة، متنافرة، جائرة، مغامرة لينهي بقوله لها:" هذا فراق في الحياة وأنني / أدعو بألا نلتقي في الآخرة."

الإيجاز والتفرد في الاستعارات والتشابيه

هدوء إيقاعي يبحث الشاعر من خلاله عن الكمال في الصورة لضمير ربما يحيا قبل أن يمضي إلى المثوى الأخير، فالعزف على وتر الضمير في ديوانه هو استراحة للوصول إلى العالم غير المعتل الضمير المعافى من الزيف والتسكع والدمع الغزير، موحيا بشدة العيش ضمن فسحة الضمائر الميتة مزاوجا بين الإيجاز والتفرد في الاستعارات والتشابيه مبتعدا عن النظم الشديدة الحبك في هذه القصيدة ، كاستراحة محارب أراد ترك الحرية للمفردة في عنوان مات الضمير، لكنه ينقلنا بين قصيدة وقصيدة من لحظة عمر تتعجل الولادة والمنايا وتشبيه المسافة الفاصلة بفتح وغمض كناية عن السرعة التي يمضي بها العمر متناسيا هنا عفاريت الشعر المتميزة استفاقت للتفاخر بقصيدها بمعان محببة لنفس القارئ، ولشاعر لم ينس أن يتفاخر بقصيدة في ديوان تنوعت قصائده ليقول :" من عكاظ يأتي قصيدي الفريد" فهل احتوى ديوان خليل برهومي سبائك الشعر قنطا؟

كلاسيكية انتفضت على الحداثة

تنطوي قصائد الشاعر خليل برهومي على كلاسيكية انتفضت على الحداثة في بعض منها، لكنها التزمت بالعمق الشعري، وبالوصف البنيوي المتضمن على العناصر الشعرية والانفعالات الحسية المتجانسة مع القافية والتكوين المحوري للقصيدة وأهدافها ومعانيها، ليحقق التناسب بين المعنى والمبنى، وبين الصورة والإيقاع ، وبين الوزن والتعبير لخلق جمالية شعرية متماهية مع حركة النغم الصوتية مستبقا بذلك ترادف المعنى" برودة ويبوسة" و"مكشرات عبوسة " وبتناوب معنوي يرتكز على البناء الشعري وإيقاعه، وبوعي لفظي يحقق النغمة الجمالية لقصيدة تتناقض فيها المرساة مع العُلى ما بين علو ودنو من الذات، والتأثر بالوحدات المنتظمة دون صرامة الوزن " كرست للشعر البديع حياتي/ وربطت في شط العلى مرساتي/ وكهلت في قاع المحيط مفتشا/ عن لؤلؤ قد غاص في الصدفات/قد صدته ورصعت أبياتي به/ فالدر ملتمع على أبياتي / انظر لأشعاري تجدني زارعا/ في كل حرف قطعة من ذاتي "

معاني كحلها برمزية فلسفية

يتميز ديوان الشاعر خليل برهومي بمشاعر حيوية ترتبط بالمعنى الداخلي لكل قصيدة مستوحاة من معان كحلها برمزية فلسفية لأدباء وشعراء ذوي خصائص زمنية تلاقت مع قصائده الخاضعة لتحليلات نفسية تتراوح بين الهدوء والانفعال الملتزم بالتغيرات الإيقاعية ما بين استعارات وتشابيه وأجناس مرنة متناغمة تتنافر أحيانا. لكن يصقلها بلفظ حداثي يبعد عنها روتين النظم والوزن، وبحرفية شعرية توالدت إيقاعاتها بتطور تتشابك فيه الأوزان بسلاسة التأثير النفسي المتوازن بين الشاعر والقصيدة، والبنية الموسيقية المتوازنة وبنبرة أحرف صوتية ذات جمالية من حيث الوحدة النغمية وارتباطها بالحرف وحركاته، وسكناته والوتيرة المتعالية أو المنخفضة متلاعبا بآلية الإدراك للوزن والنبرة معا، وبتطابق تفاعلي ندرك ماهيته في سير الأجداد عبر التكوينات الأساسية ذات المقومات الجمالية والبلاغية، وبتواز تتعادل فيه المفردة الكلاسيكية مع حداثة الزمن ما بين الماضي والحاضر والسيرة المرتبطة بالجوهر الفني بشكل عام.

Doha El Mol