" إن من يزرع أرضا غير أرضه يعرض نفسه للمخاطر"
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية " الريح القوية" للروائي ميغل انخل استورياس.
تعكس رواية "الريح القوية" للروائي ميغل انخل استورياس - ترجمة صالح العلماني- مختلف الصراعات الاجتماعية التي تتسبب بخلق ثغرات سوسيولوجبة تتصل بسياسات العالم الاقتصادية، فما من ثروة ناتجة عن الطبيعة التي ترعى كل ما من شأنه أن يؤدي إلى ازدهار ثروة حرجية أو نفطية أو ما إلى ذلك، إلا وينشأ عنها صراعات رأسمالية تؤدي إلى انتهاكات الحريات، ولا سيما الشعب الفقير فكريا وماديا، وهذا ما ترك بصمة روائية ذات حبكة متماسكة، وبنية اجتماعية ذات اتجاهات أدبية ولا سيما على مستوى التوافق الأسلوبي والمضموني، والتصوير البلاغي الذي أبدع في ترجمته صالح العلماني بحرفية سعى من خلالها إلى التوفيق بين لغتين، فكل لغة هي بمثابة كينونة يتولد عنها كينونة أخرى في أثناء الترجمة، وهذا ما حافظ عليه علماني، لنستمتع بقراءة رواية اجتماعية ذات أسس واقعية، لها محسوساتها التخيلية الملامسة لمعايير فلسفية أنجبتها الحياة لفئة من العمال ليسوا ”أخيارا ولا أشراراـ لا سعداء ولا تعساء، إنما مجرد آلات"
يكشف ميغل انخل استورياس عن مناجم الذهب الإنسانية التي تتولد من الطبيعة نفسها، ولا نراها إلا بعد أن نستسلم للاستثمارات الاقتصادية العالمية" كشركة تروبيكال للموز المغلفة" فهذه الشركة ولدت من أحلام البسطاء والفقراء، والمحتاجين وهي تعتمد في وجودها على الأيدي العاملة التي يتم وضع اليد عليها بشتى الطرق، إنك تموت هنا شيئا فشيئا من الفقر، لست وحدك الذي تموت، وإنما أسرتك كلها، لأنه لا يوجد ما يكفي للطعام، وما يكفي للدواء، لا يوجد ما يكفي لكي يكون أبناؤك مثلما يجب أن يكونوا.. أنت أحد موتى الشركة" فكم من أيد عاملة في العالم تموت من عجز أصابها بعد أن استهلكت قواها البشرية الشركات في خدمة قاسية؟.
إن التطابق الروائي والأدبي واضح المعالم من حيث المضمون والأسلوب، فالنص الأدبي الاجتماعي تتعدد دلالاته التعبيرية من ناحية السرد، أو من ناحية الوصف المشهدي المكتمل الأركان الذي يؤدي إلى تكوين صورة عميقة الرؤية ذهنيا، وذات مسوغات واعية جماليا تحقق سياقا روائيا يستجيب له السرد المتمكن من أدواته، ميغل انخل استورياس ومن تفاعل شخوص الرواية مع بعضهم، وكأنه يوزع بطولة الرواية على الجميع بالتساوي، لنشعر بأن" الريح القوية ستكون مثلما قلت حضرتك، وسيلة ثأر هؤلاء الناس المشتغلين، المهانين، المتألمين، المستغلين" لقد جعل استورياس الريح بمثابة ساعة الإنسان سترفع صوتها المطالب، والهادي وستسكننا جميعا، فهل فعلا الإنسان يعيش بلا زمن؟ أم أن لكل ريح رواية اجتماعية أو سياسية أو ثورة تتواصل من جيل إلى جيل باعتبارها" الريح القوية التي لا تترك شيئا منتصبا عندما تهب، وإذا تركت شيئا فإنها تتركه جافا ويابسا"
تدفع الرواية بالقارئ إلى التوغل أكثر في حبكة درامية اجتماعية، لنتساءل عن ماهية هذه الريح التي تستحوذ على عنوان يحمل صفة القوة لريح سننتظرها من البداية إلى النهاية، لنعرف ماهيتها، لنتفاجأ أن الريح البشرية شبيهة بالطبيعية وعناصرها المناخية المتقلبة من حيث الصراع المتمثل بالشركات الاقتصادية الكبرى التي تعتمد على سياسة البقاء، وما تعنيه من الغاية تبرر الوسيلة " فالشركات الكبرى بالنسبة إلى ليلاند هي على الدوام مغامرة حيوات كبرى " فهل من تغيير تحدثه الرياح البشرية التي تبدأ ولا تنتهي، لأن الحياة قد لا تمتد بنا للقضاء على البابا الأخضر، ولكن من سيخلفوننا في الخندق سيرون مثلنا إذا ما تحركوا مثلنا. رمزية في شخصية البابا الأخضر، وهو من يدير شركة الموز الأخضر، تلك الشركة التي تعتبر الإنسان النبتة المنتجة للموز حليفا له، ولكن هل يمكن القضاء على البابا الأخضر؟ من المؤكد أن الشر في العالم متواصل ولا سيما أن زراعة الموز وبيعه هو كنز يسعى إليه كل من يدفع ثمنه ذهبا، فمديرو هذه الشركة التي تستثمر البشر قبل الموز سيستمرون أبدا، إذا مات أحدهم فسيأتي آخر، ليحتل الموقع نفسه، وهكذا فالرواية ستعيد نفسها زمنيا عند كل استثمار مالي لمنتج تزخر به الطبيعة، وتمتد إليه يد الإنسان الذئب لأن " ليس قصة الذئب المتخفي في جلد نعجة، فهذه قصة قديمة جدا ، قديمة إلى حد العفونة، وإنما قصة النعجة التي ركب لها طبيب الأسنان طقم أسنان ذئب لكي تتمكن من العيش بين الذئاب."
شخوص فنية يعالجها ميغل انخل استورياس بمحاكاتها، وخلق حوارات داخلية تؤدي إلى الكشف عن مفاهيم سياسية مخفية اجتماعيا، لتتوسع المفاهيم نحو أنسنة العالم، وفرض العدالة الاجتماعية واضعا المرأة أيضا ضمن متاهات بدائية تبدأ من كونها تغتصب، وتنتهك حقوقها وتعمل بقوة رجل، وتمنح العائلة اهتمامها لتصل في نهاية الرواية إلى جزء من شركة "ويستنتج من ذلك أن زوجته ليلاند هي جزء من الشركة، بحكم كونها أميركية شمالية." إن التجانس والتوافق بين شخوص الرواية يترك مسافات للقارئ، ليكون ضمن المشهد التأليفي والاتساق السيميائي المتسلسل في تكوينات سردية شديدة التأثير يصف من خلالها " الروابي التي يرزح المعدن فيها تحت طبقات نباتية عميقة جدا، تهاجم أنسجة الروح برطوبة تتحول في الكائن إلى إحساس بكآبة غامضة، وعدم رضا بما يملكه.
يشير ميغل انخل إلى افتقار الإنسان الضعيف إلى الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق انتصاراته أمام قوى عظمى نشأت من قبولنا الخضوع والسيطرة من قبل السلطة الكبرى، ألا وهي المال، وهذا هو" السيئ في الأمر هو أن الأسعار الجيدة التي دفعوها لنا ثمنا للأقراط الأولى جعلتنا نعتاد على ازدراء النقود، ونعتقد بأنهم سيدفعون تلك الأسعار دوما، فهدرنا كل شيء على أشياء لا نفع منها." فالأسلوب المضموني متعمق من ناحية فهم الحالات الاجتماعية والسياسية لمكونات بشرية وضعت نفسها في مواجهة الريح القوية حيت الثروات تتضاعف هنا بصورة مذهلة. إنها أرقام فلكية، لو أن طفلا بدأ بعد ما كسبه من الموز، ليس بالبيزو، وإنما بالألف بيزو لبلغ الشيخوخة قبل أن يصل إلى الرقم الأخير" فما يوحي إليه ميغل في روايته التي تحاكي الأزمنة، كما تضعنا أمام جدلية الوجود والصراع لإثبات الذات، والخروج من زوبعة الغوايات التي لا تنتهي في العالم، كالنفط والدولار، وتخصيب الذرة النووي، والتوارث في عدة مناصب ثابتة في العالم" ولست أعني الهيمنة على العالم، فهذه نملكها، وإنما كسب العالم، وهذا أمر مختلف. نحن الآن أسياد هذه الأراضي، هذه الغوايات الخضراء، إننا سادة، ولكن علينا ألا ننسى أن زمن الهيمنة محدود، وأن ساعة الرب آتية ، وهي ساعة الإنسان. فهل من ريح لا تحمل التغيير بعد هبوبها، لأنها تقتلع كل شيء يقع أمامها؟ أم أن الريح القوية تهب بسبب" افتقارنا إلى الوسائل اللازمة للصمود، والقدرة على الصمود هي الأهم في أي حرب"
تتميز رواية الريح القوية بالإيجاز السردي، والتصوير المشهدي المؤلف من عناصر بلاغية تم رصدها فنيا، لتمنح الرواية رؤية حياتية اجتماعية مأخوذة من الواقع الموحى إليه بأفكار اجتماعية أدبية تسلسلية تؤدي إلى تمكين الحبكة من إثارة الجذب، لفهم ما وراء السطور من تلميحات سياسية من شأنها إعادة النظر في بناء المجتمعات الاقتصادية المبنية على القوة الغاشمة التي تهدف إلى تدمير الإنسان، إذ " لا يمكن إضاعة الوقت في التحدث في الفراغ مع أشخاص خارج الواقع الآخذ بالتشكل" فهل الواقع الحياتي هو انعكاس للواقع المتخيل ضمن رواية أدبية أدّت دورها في تحديث الزمن؟.
Doha El Mol