قلب الإنسان يظهر من كلامه

ضحى عبدالرؤوف المل

"عندما تفشل في بناء شيء ما علينا إلا هدمه لإعادة بنائه من جديد".

قراءة في رواية "رقص تحت أشجار الكستناء" للكاتب عباس جعفر الحسيني.

يستند كاتب رواية "رقص تحت أشجار الكستناء" لعباس جعفر الحسيني إلى معطيات شكلية يعززها بآليات الحوار السردي المثير لعناصر روائية جوهرية هي بمثابة تحفيز لاستدراج القارئ إلى فهم معرفة الفترات التاريخية المهمة في الاتحاد السوفياتي مع مقارنات مخفية بأسلوب فني يقارن من خلاله بين فترات ستالين ولينين، وبين الأحداث المهمة في الاتحاد السوفياتي، وطرائق العيش الاجتماعية بدقة متوخاة بالنسبة لشباب من لبنان يدرسون في الاتحاد السوفياتي، وينتمون لعقائد ومذاهب مختلفة، لأن لكل منهم اتجاهاته المختلفة من ميول فكرية وسياسية وتوجهات حياتية، لكن نفحة الشباب تطغى على الرواية كلها، ليمزج بين تاريخية المعلومات الروائية مع روح الشباب المعاصر ونظرته إلى الحياة بالنسبة لكثير من الدول مع انتقادات حافظ على إبرازها بين الحين والآخر، ولا سيما الانتقاد الاجتماعي المعاكس بين لبنان وروسيا وبالعكس ،عمال النفايات في لبنان لا يتوقفون عن الكلام والصراخ في أثناء رفعهم للنفايات، ما الذي يميزهم عن هؤلاء؟ لأن هؤلاء غير مسموح لهم أن يشتكوا.

نشاط الوكالة اليهودية للهجرة

نصوص حوارية مشدودة إلى بعضها بفنية حبكة حكائية تروي قصة الاتحاد السوفياتي، وآلية تواجد اليهود فيه مع معاناة الشباب الروسي في خدمات مفروضة عليه، وفقدان الكثير من مقومات العيش الموجودة بلبنان" فحتى ما يعرف بالستالوفيا مطاعم العمال ليس فيها إلا اللبن والبيض وشوربة البورش السوفياتية الشهيرة" مع إبراز أهمية وجود يهود كييف الذين ينشطون في المدن الروسية، ويتمتعون بما يتمتع به الشعب الروسي تماما حتى بالقمع والضوابط والخدمة الإجبارية " والأهم نشاط الوكالة اليهودية للهجرة التي تنشط بشكل سري، لكن الروائي عباس جعفر الحسيني لم يستعمل صفة صهاينة إلا في إسرائيل بل بقي على الحياد واصفا إياهم باليهود السوفيات، لأنه مع استثنائية الأفراد في الإيمان أن اليهود ليسوا كلهم صهاينة، وفي هذا تلميح إلى أن الإنسان هو الإنسان، ولكن للبيئة والمجتمع وللأحداث السياسية صبغة تضع الوجدان أمام العاطفة والعقل، لتتفاعل الأحاسيس ضمن العيش المشترك الذي يبحث عنه عباس جعفر الحسيني بين فئة من الشباب، لكل منهم اتجاهاته الخاصة.

شكلية أدبية اهتم بها عباس جعفر الحسيني في البناء والدلالة متناقضا بين الملموس والمحسوس، وبين ما هو مجرد وواقعي، بالأحداث أو بالأحلام، أي بين واقع الدولة وحلم شبابها، وبتأرجح تحليلي ترك استكشافه للقارئ من الحريات الدينية عند لينين والمحاكمات الصورية، وبخلق توازنات عرقية، ليبتعد الشعب عن النزعات القومية، لكن كل ذلك لم يضع الحدود الفاصلة لدولة كروسيا المصابة بالبيريسترويكا أو إعادة البناء ، فالنزعة القومية بين أفراد الشباب هي السمة المشتركة التي تربط كل منهم بوطنه، وبكينونة ذاتية هي جزء من البناء الروائي المستقل بمنطقية الأشياء وغرائبيتها، وبتحفيز روائي جميل يميل إلى الواقعية والرومانسية والوصف الاختزالي المقتصر على قيمة الحوار الداخلي في فهم تسلسل الأحداث التي أراد إظهارها بمنحى الإيمان والأديان والصلة المشتركة بين أبناء الوطن الواحد، والدول المتصارعة المتناحرة على مصالحها الذاتية دون الاهتمام بشعوبها، لكن للخلفية الفكرية الوطنية شأنها في الاستنتاج والتحليل والتنظير الاجتماعي دون اللجوء إلى فرض الرؤية أو تحليلاته الخاصة، ليتجاوز بذلك عن العوالم الروائية المتفرقة في الرواية، ليستقل بها مبحرا بين منهجيات الفكر الشيوعي أو ستالين ولينين، والاتهامات ضد العرب وخلفيتهم القومية.

الذاكرة المحتفظة بتفاصيل قرأناها في الرواية بأسلوب خضع للتطور الزمني

وقائع سياسيىة واجتماعية مستمدة من ردة فعل الشباب والآراء المتصارعة بين المفاهيم القومية والإنسان بالمطلق، غير المتعلق بالأفكار والماركسيات والستالينيات وغير ذلك، وبدينامية الحياة التعددية ، وبمغامرات عاطفية شبابية يكتشف من خلاله الشباب الأخطاء في اندفاعاته المتهورة أحيانا، دون التحقق من النتائج قبل الخوض في خلق إشكالية أو هوة فاصلة بين الغرب والعرب من مبدأ قول جوزيف ستالين : يجب غرس شوكة في مؤخرة العرب حتى يواصلوا حكها إلى آخر العمر" فالكفاح الروسي في المواجهات الصعبة يشكل الأسس البنائية في الرواية القائمة على نبذ التعصب، ومعرفة الفرق بين التعصب والإنسانية، بين اليهود والصهيونية، وفي هذا قبول ورفض عند الشباب، لأن التاريخ في جيناتنا المحبوكة بصراعات وتواريخ لا تنسى، وبأنساق أسلوبية ازدواجية ذات مسارات إيحائية ودلالات تعتني بالتشابه بين قصص الحب والأوطان "وهو القادم من وطن تحتل جزءا منه إسرائيل" فحركية الوقائع التاريخية المسرودة بتواريخها وأمكنتها توافقت مع الشخوص ومعطياتهم النفسية والحسية، وبأبعاد المتغيرات لصرخة الإنسان على الأرض التي يتصارع عليها الأخوة بمختلف العبارات والانتماءات، ليحيا في نهاية المطاف ضمن الذاكرة المحتفظة بتفاصيل قرأناها في الرواية بأسلوب خضع للتطور الزمني وللتسلسل التاريخي.

مفهوم العلاقات الخلفية بين الوطن والإنسان

تناقض شكلي بين أفراد الرواية وصراعاتهم الفكرية، تتمثل في النسيج الاجتماعي الذي تشكل في الرواية، وبرشاقة تكتيكية أحادية في حبكتها، ومتعددة النسق في داخلها، وبوعي روائي أراد إيصال مفهوم العلاقات الخلفية بين الوطن والإنسان، وارتباط الفرد بوطنيته وبيئته رغم التعلق بقصص الحب ومتاهاتها، لأنها قد تستعصي على الفهم ولا سيما عند مزج الأحداث التاريخية مع العاطفية والتشابه بينهما، عند فورة العقلانية النقدية عند الشباب، والانقلاب الكلي على المبادئ القديمة، لتتضح الرؤية الروائية في نهاية المطاف وبتشويق متباطئ أحيانا، لكن القارئ يصاب بتحفيز فكري للوصول إلى النهاية، وبتوافق ذي معيار مضموني، منطقي في سرديته الحوارية ذات المستويات الموازية لجمالية النص الروائي الداخلي والخارجي، ومن وجهات نظر مختلفة معروفة اجتماعيا في غالبيتها، وهذا ما يجعل الرواية مألوفة المشاعر لانسجامها مع رؤية القارئ الاجتماعية والسياسية، ضمن مفارقات تركها تتناسب مع الجزء والكل، وبتشكيل روائي لمعنى سياسي هو الوحدة وانصهار الإنسان مع المجتمعات كافة دون الوقوف أمام التاريخ ومجازره، والأخطاء المرتكبة بحق الإنسان، ليكون أشبه بشجرة كستناء تزهر في الفصول الصعبة، وتمنح اخضرارها للطبيعة التي تختلف في حيثياتها من بلد إلى بلد تبعا للفصول ولظهور قوس قزح في الصيف أو في الشتاء، لأن الصيف في بلاد أخرى ممطر، وهذا ما تركه عباس جعفر الحسيني للاستكشاف أو للاستبصار بفطنة أنطولوجية تثير الحس الروائي القريب من القارئ، والملامس لروح الشباب.

Doha El Mol