لوحات غبارية

قراءة في رواية "شخص آخر" للروائية نرمين خنسا

ضحى عبدالرؤوف المل

يسطع فن الكلمة في رواية " شخص آخر" للروائية نرمين الخنسا من خلال المفردات الغنية بالصورة التخيلية القوية في معناها الواقعي الممزوج بالقدرة على خلق المشهد بمؤثراته الطبيعية، وبمنطق الاستبصار الروائي الذي يشف عن منهج أدبي مطرز بحدس ذي دوافع مرتبطة بقوة الحدث، وما يرافقه من تحليلات نفسية لشخوص روائية أسرية بالدرجة الأولى، نسجتها ضمن حبكتها البنائية المختزلة بأفكارها الموحية التي تبدأ ولا تنتهي عند القارئ" لا أدري كم من الوقت أمضيته وأنا غارقة في ابتكار لوحات غبارية، ساعدتني على الانتظار وتمرير الوقت الذي اكتسب مسارا خاصا في هذا المكان، لا قيمة تلازمه، ولا أرقام وعقارب تحدده. فالت هو من الزمن، عبثي ومضجر في كل الأحوال" وقد ربطت بين اختصاص بطلتها الهندسي، وبين إحساسها الفني في انتظار مكبل بعتمة الاختطاف والخوف من المجهول بلفتة فنية ذات بنية تكنيكية تثير بانفعالاتها الجمالية عنصر التشويق لاستكمال القراءة.

نبرة اجتماعية ذات رؤية سلوكية نفسية لا تخلو من هموم سياسية طرأت على العالم العربي عند عتبة المقدمة المزينة بصورة انطباعية حسية جذبتنا إلى الداخل، لنلمس الواقع بتفاصيل الزمان والمكان الذي وضعها بين غياهب المجهول، المؤثر والدافع إلى المضي نحو استنتاج الحلول أو الأسباب التي أدت إلى الاختطاف الملفوف بذكريات موزونة تتخفى عند اشتداد الحدث المقلق بغموضه غير المباشر، وكأنها لم تصطنع الحدث الروائي، بل عاشته بحذافيره نفسيا وجسديا، وباختلاف مراحله الروائية وهواجسها التراجيدية المغمسة بإيهامات الحياة الواقعية ومخاطرها الشديدة.

الخوف والانكفاء والهرب مفردات بلد يمر بأحداث أليمة محددة بفترات مؤرخة ضمن سنوات مرت على لبنان رفضت أن تغادرها علا لتكمل دراستها الملموسة باتساقها عبر تفاصيل الرواية بأكملها "وجدت في ملامسته متعة تشابه متعة الرسم على الورق" فهي الفنانة الزخرفية التي لا تتعاطى إلا الخطوط والألوان دون أن تنسى شخصيتها النسائية مع علا، وبدلالات تتماهى مع عمق مشاعر الأمومة والتآخي الدرامي عند وقوع الحدث، وما رافقه من تخيلات تتوافق مع العزلة والوحدة داخل غرفة معزولة شهدت على لهفتها وحزنها أوراق جريدة لا شيء فيها سوى أرقام الرابحين في سباق الخيل، والمتناسية الفئة الكادحة من الناس في انتقاد سريع ولافت للصحافة، وللوضع الاجتماعي برمته.

يستطيل أبعاد المشهد أحيانا، لتخرج من زواياه باستدارة تبسطها بميزتين، الأولى العودة إلى الذات، والثانية الرؤية التحليلية التي تشارك بها القارئ عبر لواعجها الاختطافية وبحثها عن الأسباب التي تجهلها، ويجهلها القارئ، لتعيد الأحداث الماضية بحثا عن ضوء تفهم من خلاله سبب اختطافها، بمستويات تخيلية يتم من خلالها عدة تحليلات أو تقييم لفترة حياتية ما كانت لتعيد النظر فيها ما لم تمر بهذا الحدث الذي تركها ترى عن بعد كل ما عصف بها ولا سيما عندما مسحت الغشاوة عن عينها، ليختفي وجه من أحبته لسنوات، وبلغة رقيقة شفافة تنم عن وعي لغوي في صياغة أدبية تمنح القارئ بمختلف فتراته العمرية تقبل الأحداث بحوارية ذهنية ، مفتوحة على عدة تساؤلات. هل للمذاهب فعلا دورها في انفصالها عن كريم؟ أم أننا نتأثر بمجتمعاتنا أو البيئة التي تعج بالأفكار السلبية؟ ليحاكم القارئ علا ضمنيا، ويستخرج أعذارها الواهية في الانفصال عن كريم ذلك الشخص الانتهازي والباحث عن الغنى مع امرأة اخرى.

" لسان الانفتاح والاعتدال" جملة تمر مرور الكرام، لكنها تبقى راسخة في ذهن الرواية حتى عبر ملامح كثيرة تهدف إلى خلق دينامية سردية تراعي المفهوم الاجتماعي الذي تبحث عنه خلف الحب المطعون بالغدر والفراق، فمواضيع الحب والغدر تمر في أغلب قصص الحياة بظروف تتشابه، لكنها استطاعت وضع القارئ أمام حالة نفسية تتنازعها الأفكار المتأثرة بالأوضاع المذهبية التي نعلق عليها الأخطاء دائما دون الرجوع إلى منطق الأشياء وخلفياتها مع الاحتفاظ بسببية الاختطاف المجهولة، وبإيحاء فعلي مكثف واختزال يرتقي بالمشاهد الطويلة، ليبرر لها تلك الاستطالة بمحاولة معرفة سبب الاختطاف، وهو ضمن رمزية الزمن الذي يخطف منا كل جمالية لا نشعر بها إلا بعد فوات الأوان، فهل تحاول الروائية نرمين الخنسا وضع القارئ معها في الغرفة ليعيد برمجة مراحله الحياتية وجدانيا؟ أم تريد مرافقة كل امرأة لتنتبه أن الحياة ليست كما نتمنى، وأن الحب ليس رواية يتزوج في نهايتها الأبطال، وفي هذا وعي حواري وخطاب موجه إلى المرأة والرجل معا بل إلى أفراد الشباب الذين ينطلقون إلى الحياة والآمال في نفوسهم شمعة تخبو وتتوهج.

تفتح نرمين خنسا نافذة حياتية من غرفة مستقرة في مكان مجهول تقبع فيها محاكمة نفسها بسرد سياقه الذات التي تتناول من خلالها علاقاتها الاجتماعية بكاملها، فالعزلة هي البطل الحقيقي للقصة، إذ تمثل العودة إلى الإنسان، إلى صمت يحتاجه، ليعيد ترتيب أولياته الحياتية، ليرى عن بعد كل التفاصيل الراسخة في عقله وعاطفته حتى طفولته المحفوفة بمعالم شخصيته المستقبلية، وبفكرة روائية عبثية تميل إلى منح الوجود حقيقة متخيلة، كي تولد الذات من مسامات الحدث المفاجئ من البداية إلى النهاية.

يرتبط العنوان في رواية " شخص آخر" بالنهاية ارتباطا محبوكا بحكايات مشدودة إلى الرواية بوثاق سردي مزدحم بأطرف الذكريات ولا سيما مع طارق، وجمع تحليلي يفيد أننا مهما كبرنا نبقى كالأطفال في عيون الأهل" إلا أننا لم نتوقف يوما عن إثارة غضبهم وقلقهم من حين إلى آخر" ففي كل مرحلة من مراحلها الروائية اسم جديد يوحي بشخص آخر تعيد التفكير فيه تبعا لاهتماماتها النفسية وحاجتها إلى الخروج من محنتها المخيفة من كريم إلى طارق وحسان، ومشاهد تعج بالحركة والحيوية والحياة، برغم الفروقات في استطالة المشاهد أو اختصارها، وبتفاوت نفسي وضعته تحت خانة استحضار الخارج، وهو يحتاج إلى قوة مخيلة، وذاكرة تحتفظ بمخزون يصعب استخراج الماضي منه، وهي في مرحلة الشباب. لأن الإنسان غالبا ما يعود إلى ذاكرته الخالدة بعد عمر الأربعين، فالعزلة أجبرتها على الإحساس بالزمن الغامض في مكان لا نهار ولا ليل فيه، فما يستقر في قعر الذاكرة لا بد أن يخرج عند الإحساس بالنهاية، كمشاهد استرجاعية ربما أكثرت منها نرمين روائيا، لكنها أضافت متعة تخيلية في بعض منها، لأن القارئ عاش معها محنتها بذكرياته أيضا.

تجف ينابيع الماضي في حاضر يؤكد على وهم كنا نعيشه بانفعالاتنا المغمورة، إذ تتضح الصورة الحياتية كلما ازداد النضج تعقلا، ونمت العاطفة بشكلها السليم دون إضافات من خيال ناشط يكتسي بلحظة مسحة من أعمارنا المخفية، فالمنطق الروائي ممسوح بوقائع شخصيات تنتمي إلى الواقع المتخيل الذي تستنطقه نرمين بعبارات ذات مناداة خاصة "ما أخبثك أيها الخيال، وأنت تزين الحنين والشوق بمشاعر وصور من وهم، يبهت ألوانها الضوء، ويبددها الواقع في لحظة واحدة ليس أكثر" فالوعي التحاوري في الرواية يعكس قيمته البلاغية على الفصول برغم استطالة المشهد في بعض منها، لكنها منحتنا عالما روائيا خاصا، ونكهة لبنانية تشكلت في فترة زمنية مرت على لبنان.

Doha El Mol