"إن الحركات الرشيقة هي موسيقى العين"
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية " الزنبقة الحمراء" للروائي أناتول فرانس.
تنشط المحاكاة الحركية في رواية الزنبقة الحمراء للروائي أناتول فرانس، ترجمها إلى العربية أحمد الصاوي محمد معتمدا في ترجمته على الألفاظ القرآنية البليغة في معناها من حيث الصورة والمعنى، والفهم العميق في ترجمة أحسست أنه تثاقل فيها لغويا على القارئ، ليمنحه موسيقا لغة سمعية تتوافق مع رواية أناتول فرانس التمثيلية المحبوكة سرديا، والتي استطاع خلق إيحاءات فيها وفق رمزيات الأسلوب الكتابي لما بعد عصر النهضة الذي انتقده في روايته مشيرا إلى أنه " محال أن يفصح المرء عن فكره تمام الإفصاح" وذلك لينتقد فيما خلف السرد السياسة التي كانت قائمة آنذاك مع الاهتمام بالصور الجمالية والموضوع الاجتماعي المتعلق بطبقة اجتماعية معينة، ومنها الفن والأدب والمشاعر التي تختلط في نفسية الفنانين بشكل عام.
حقائق روائية سيكولوجية مدها أناتول فرانس بوقائع تربوية تظهر في تربية الكونتيسة، ومحبتها لوالدها حيث تأثرت بشخصية الأب، كما تأثر حبيبها بشخصية والدته التي تركته يتخبط في النزاع النفسي، وفي هذا تأثيرات نفسية تغلغلت اجتماعيا حيث أيضا الأسلوب السياسي الساخر والملفوف بقصة حب رومانسية، لامرأة فاتنة تشبه بتألقها شعار فلورنسا الزنبقة الحمراء، لنشعر أن المرأة والوطن في رمزية واحدة لخيانات يمكن لها أن تتدثر بدثار المحبة أو بدثار العلاقات الشائكة التي يصعب تفسيرها أو تبرير نتائجها من ناحية الذات أو من ناحية المحيط والبيئة التي ينبت فيها الإنسان، لينشأ متوازنا مع نفسه أولا، فالكونتيسة هي نموذج ينمو مع النمو الروائي الذي يكبر بمفاهيمه حتى الوصول إلى الذروة " ولما دخلت معترك الحياة لم تلبث أن يئست من العثور على مثال تلك الصفات الطبيعية، وذلك الكمال في قوى الجسم والفكر، وظل هذا اليأس ملازمها عندما أتت لاختيار قرينها "
إن رمزية العنوان توحي بالجمال والإشراق من ناحية الزنبق وطبيعته أو من ناحية اللون واشتعاله بالرغبات، لندخل الرواية مع أناتول، وندرك أن لكل شيء في الحياة شعاره الخاص، فالربط بين الرمز ومعناه نقرؤه في تفاصيل كثيرة من الرواية. إن من شعار فلورنسا أو من تلك الشوكة التي تذكر الكونتيسة بحبيبها أو بدبوس الشعر، ولكنه في روايته حاول تعميم أفكاره السياسية واتجاهاته التي تنتقد حتى الشعراء والكتاب مشيرا إلى" أن القراءة والفهم هما الترجمة " فقد ترجم أفكاره إيحائيا، ليخلط بين أركان الحياة خلطة سحرية جعلنا نتذوق أفكاره من خلال قصة حب رومانسية انتهت بالماضي المؤثر على الحاضر، حيث يستحيل إصلاحه ، وفي هذا نظرة شديدة التمعن والتدقيق ولا سيما في قوله " الماضي وحده هو الحقيقة البشرية، وحده هو الكائن" فهل الماضي هو ما يغلف حياتنا كبشر، ليجعلنا ندفع الأثمان الباهظة لعدم وعينا في الماضي؟
اهتم أناتول فرانس في روايته " الزنبقة الحمراء" باستخراج الماضي، ليضيء به الحاضر، أو ليترك للقارئ ما استخلصه من مفاهيم تاريخية حيث" أن المرء لا يقول قط في كتاب ما يريد في الحقيقة "ففي روايته استخرج آثار نابليون، وأفعاله من مخبوء التاريخ، مع الاهتمام بانتقاد اليهود وأفعالهم في تلك الفترة "بيد أن اليهود قد أهملوا أداء واجبهم، وأصبحوا بين المسيحين من أتباع الرسول" ولكن منح جل اهتمامه بالماضي بنابليون، وتقييم أعماله وأفعاله واتجاهاته" ونابليون كان محبوب أمة قائمة برأسها، وكان منشأ قوته في إشعال المحبة في قلوب الرجال أينما حل وسار، وكانت مسرة جنوده في أن يبذلوا له المهج ويموتوا فداءه" ومن ثم منح الأدب اليهودي السمو والرفعة عبر تلميحات قصيرة لا تتعدى الومضة اللغوية التي تترك أثرها في القارئ" إني يا سيدتي على ثقة أنك غير مطلعة على سمو الآداب اليهودية وتفوقها على غيرها من الآداب كافة." فهل حاول أناتول فرانس جمع باقة من التاريخ كدلالة على الإنسانية التي تتضح في رواياته، كلما ذكر نابليون أو اليهود أو المسيحية أو حتى الإسلام، ليؤكد من خلال ذلك " أن الإنسانية كامنة في صميم قلب الإنسان، ولكن الرفق يبدو على جوارحه وهو إلى الحركة أسرع وإلى الظهور أقرب" ثم ليجمع بين اليهود والعرب مظهرا فضلهما على أوروبا بشكل عام" إنه لولا اليهود والعرب لكانت أوروبا اليوم لا تزال مغمورة في لج من التعس والجهالة والظلم والقساوة كما كانت على عهد الحروب الصليبية." فهل في هذا تلميح لعصور تاريخية تحرر منها العرب واليهود؟ أم أن" الزنبقة الحمراء" هي الجمال في الحاضر والمستقبل الذي جعل الكونتيسة تشعر أنه مرتبط بالماضي الذي يستحيل إصلاحه؟.
ما بين الحب والسرد الروائي، وتكنيك المشاهد البصرية المتخيلة خفة حركية ذات تنقلات فكرية تترك القارئ في رواية اجتماعية أنتروبولوجية يضيء من خلالها أناتول معالم الإنسان، والبيئة المحيطة من حوله، وتأثره وتأثيره بمن حوله ، وكما الكونتيسة " سابحة في أفق أحلامها وأخيلتها، فقد رأته في أعماق الماضي مسرة طفولتها الوحيدة، وكانت ما تزال مقتنعة بأنه ليس في الدنيا من يصارع أباها لطفا" ولكن في المسارات الأخرى من الرواية حافظ على التنوع الرؤيوي لاجتماعيات، وسياسيات، ومناظرات وأفكار جعلته يتساءل:" وما كانت رسالة بني إسرائيل إلا لتهذيب الشعوب" فهل من فرق بين اليهود وبني إسرائيل ليتنوع في ذكرهم من خلال رواية حملت في عنوانها اسم شعار فلورنسا " الزنبقة الحمراء".
تتبلور الأحاسيس الفنية في أكثر من موضع جمالي في الرواية مع الاهتمام بالفنون كافة، كالأزياء وجمال المرأة والرجل على سواء ، والرواية، والفنون التشكيلية من خلال الرسم اللغوي الصامت المليء بجمال الضوء والظل ورومانسية غارقة بالتخيلات" وأشعل الشموع، فبدا وجهها على الضوء صلبا متجهمان فنظر إليها نظرة واثقة" حتى في فن القصة "وبمثل هذه الطريقة تكتسب القصة قوة أدبية لا يمكن تفاصيل التاريخ التافهة الثقيلة الجامدة أن تؤذيها قط" وهذا تماما ما لمسته في روايته " الزنبقة الحمراء" لأنه استطاع إسقاط الضوء البارز على الكونتيسة. لنتابع حركتها بشغف في رواية لم يتركها التاريخ دون تفاصيله التي وصلت للذروة في " معرض مخزن أودعه تجار الصور في العالم من أقصاه إلى أقصاه في مخازنهم، وهنا يفلح الأمير في بيع ما استعصى على اليهود أن يبيعوه، ليمرر معلوماته ببساطة بين أجزاء الرواية بحنكة روائي، وبراعة قاص يقول :" إن هذه هواجس القصصين الذين لم يعرفوا الحياة."
أضفى أناتول فرانس على الرواية المشاهد البصرية التي رسمها بدقة فنية ساهمت في منح القارئ جمالية وجدانية، تختزن في مخزونه الأدبي بل في مخيلته، لأن كل قارئ يحل خيالاته محل خيالاتنا" فالمشاهد الطبيعية الصامتة تكتمل بالحركة مع الإحساس بالسكون، مما يترك القارئ في تذوق حسي يمنحه لذة التخيلات التي تثيرها المعاني في كلماته الأدبية ذات الجمال الموضوعي" إن كآبة الكنائس في الليل تهيج مشاعري، وتثير ثائرتي دوما، إنها تشعرني روعة الفناء وجلال العدم." لكن التشظي وما وراء الصور الأدبية المشحونة بمجازات إيحائية هي بمثابة أجزاء نقدية لسياسات كانت في الماضي، وينتقدها روائيا بل يضعها تحت مجهر القارئ المتجدد بتجدد روائي محسوب بدقة متناهية، ليخاطب من خلال روايته الأجيال في الحاضر والمستقبل تاركا الماضي في روايته " الزنبقة الحمراء" هو الحقيقة البينة ، الماضي وحده هو الحقيقة البشرية، الماضي وحده هو الكائن" وبهذا وضعنا أمام الماضي والحاضر والمستقبل من خلال زنبقته الحمراء، وتشابه المعاني من خلال تشابك الأحداث واتصالها ببعضها.
ترك أناتول فرانس الزمن الروائي محصورا بالماضي، لتولد التفاصيل في المستقبل من خلال كل قارئ يحاول تحديث الأفكار، بل رؤية الأحداث بمنظار أناتول فرانس، ولكن من خلال أسلوب شاعري دقيق المعنى ذي إحساس مكاني مرتبط بالمدن كإيطاليا وفلورنسا، كما إنه وضع التراث الفني على المحك" فعلينا أن ننظم أشعارنا وتخرج أعمالنا الفنية على ذكر من أولئك الذين ماتوا عنا ناظرين إلى الأمام، إلى أولئك الذين سيأتون بعدنا ويقتفون أثرنا" مع النظر إلى تراكمات الأحداث في الماضي من خلال سيرة نابليون، وكتاب القصة، و بول فرانس الذي" أصاب كبد الحقيقة بقوله" إنا لا نجد في الكتب غير أنفسنا" وهذا ما حاول أناتول فرانس أن يثيره حسيا في القارئ، فالتطور الروائي هو جزء من التطور الإنساني، بل هو نمو فكري ينضج من خلاله القارئ، فلكل كائن ذاتية خاصة به أدبيا أو اجتماعيا أو سياسيا أو ما إلى ذلك، وهذا نوع من استكمال التناسب الذي ذكره أناتول فرانس في خضم سرده الحواري والتمثيلي الذي انتهى بماض يستحيل إصلاحه، لهذا علينا أن ننتبه أنا نحيا في الماضي، ونمهد لذلك في حاضر سيولد في المستقبل، ولكن يبقى السؤال الأهم الذي عصف في ذهني وأنا أقرأ الرواية: هل فعلا ما كانت رسالة بني إسرائيل إلا لتهذيب الشعوب؟ أم أن نابليون " شاعرا لا يعرف من الشعر إلا الفعل، فترامى خياله إلى حد السيطرة على الأرض"؟
Doha El Mol