قراءة في كتاب "كنز البسطاء"
ضحى عبدالرؤوف المل
" نظن أننا اكتشفنا قطرة ذات كنوز رائعة، وعندما نعود إلى النور، لا نكون قد أتينا إلا بحجارة كريمة مزيفة وقطع زجاج" موريس ماترلنك.
يستخدم موريس ماترلنك في كتابه " كنز البسطاء" الذي ترجمه إلى العربية أنطوان حمصي مفردة البسطاء الممدودة بكل معانيها على خط الذاكرة والموت، لتتوسط كالفراغ بين هذين القطبين معالجا بذلك مسألة الكينونة، والشمولية في مسألة الحياة ببساطتها في كل مجالاتها الإنسانية والفكرية أو الوجودية والألغاز الحياتية المحيطة بنا التي قد يصعب فهمها من مختلف نواحيها الغنية والفقيرة، ليتكون الكنز من القناعة والنور، والرضي والسلام الداخلي الذي يتشكل من خلال الحب" لأن الحب الحقيقي يرد أكثر الناس عبثا إلى مركز الحياة" إذ يتعقب موريس ماترلنك المفاهيم الداخلية القابعة في كل منا، ليخرجها إلى النور بصمت صنّفه، وتكلم عنه ضمن منظور الائتلاف والاختلاف، والتوافق في نظريات يتفاعل معها القارئ، ليكتشف أنواع الحب والصمت من صمت فعال إلى صمت سلبي وسري، لأن" الصمت هو العنصر الذي تتشكل فيه الأشياء الكبيرة من أجل أن تستطيع أخيرا أن تنبثق كاملة ومهيبة في ضوء الحياة التي ستسودها" ولهذا كنز البسطاء يتكوّن من البداية، وكأننا نفتش عنه وسط المعاني، لنكتشفه بالتسلسل السلس الذي حافظ على مستوياته، وانضباطاته البسيطة مع الحفاظ على الإشارات والدلالات التي يضيء معانيها تدريجيا، وبعمق يستضيء منه الوجدان.
يضفي موريس ماترلنك على كتابه المؤثرات المعنوية والموضوعية التي تؤدي إلى طرح التساؤلات على الممالك الداخلية للأفكار التي نملكها بغموض ووضوح حوى تباينات في الآراء التي جمعها في كنزه "لأننا شيء آخر خلاف أفكارنا وأحلامنا، ولا نعيش أنفسنا إلا في بعض البرهات وسهوا تقريبا " فهو يحافظ على المعنى الروحي للحياة من حيث" التميز بين العرض والجوهر" في فن كتابة اختنق فيها الصمت وتحول من السري إلى الفعال، لينتج عنه خلاصات تنطوي على حقائق ملموسة يحسس بها القارئ بمنطق يقظ ذي مسافات تأملية تتيح الانطلاق بوعي مع لغة فكرية وفلسفية تلونت بمفاهيم معرفية وسلوكية، وأفكار استنتاجية تهدف في جوهرها إلى بث كلمة روحية تتأثر بها الأشياء من حولنا لأننا" نتعلم أكثر بكثير مما يمكن أن يقال، والبرهة التي تتوقف فيها الجملة وتختبئ الكلمات فيها فجأة هي تلك التي تصادف فيها نظرتنا القلقة."
ان استجلاء الزيغ عن البصر يحتاج لاستنارة فلسفية ينتج عنها ظهور الأفكار العميقة" لأن كل إنسان ينطوي على الحقيقة نفسها التي ينطق بها إنسان بليغ، وهو هذه الحقيقة، إذ " يستند في هذا على المخزون الناتج عن عدة أبحاث في القناعة والحب، والأخلاق الكامنة في النفوس الطيبة والنهاية " والحقيقة أن أغرب ما في الإنسان هو رصانته وحكمته المخبوءة "وهنا يدعونا موريس ماترلنك أن ننبش العمق الداخلي في كل منا، لنمسك بالجوهرة، أو الكنز المخفي والمستقر في أعماق الأنفس عامة ، وهو الحب أو السلام من حيث معناهما المتكامل، والمتوازن بين الداخل والخارج، لنتحول إلى أجداد في الحاضر، ونصحح كل ماضي دون أن نشوه المستقبل الذي ينتظر من الإنسان فهم مسألة الكينونة التي وضعها أمامنا في البداية. ربما نستطيع اكتشاف النفس وجوهرها وبنيتها الوجدانية" وإذا أتيح لكم أن تهبطوا لحظة في نفوسكم حتى الأعماق التي تسكنها الملائكة فما سوف تتذكرونه قبل كل شيء عن كائن احببتموه وبعمق، ليس الأقوال التي قالها أو الحركات التي أجراها، بل ضروب الصمت هذه هي وحدها التي كشفت نوعية حبكم ونفوسكم" فهل يحاول موريس ماترلنك الإيحاء بالعودة دائما إلى فطرة الحياة الأولى؟ لنمحو كل خطأ ارتكبه الأجداد؟ أم نحن الأجداد لكل زمن آت؟ " وإن أجدادنا ينهضون لدى أقل أفعالنا معنى، لا في قبورهم حيث لم يعودوا يتحركون، بل في أعماق ذواتنا حيث يعيشون دائما.
يمتد" كنز البسطاء" إلى ما لانهاية عبر كلمات تختمر في الذهن، وتتقصى المحتوى العقلي والعاطفي عند القارئ المنصت بصمت إيجابي إلى تفاصيل" التطهير الاستدلالي للأفكار والكلمات" لنسأل معه: " هل ينمو معنى الحياة في الضجة أم في الصمت؟" ليثير بنا متعة اكتشاف الجواب" إذ نكتشف السعادة أو مجرد لحظة راحة عن أشياء أكثر جدية واستقرارا من هياج الأهواء." ولتتشكل الرؤية الشمولية لكنز أفرد له من المعاني ما يجعله مصقولا بمفاهيم جوهرية تتشكل بخصوصية وجدانيه تجعلنا نبتعد ونقترب عن العقل، ولكن ضمن البقاء عند حدود الوجدان، وفي عمق الذهن الذي تستثيره الطروحات الفكرية المنطبعة في تصورات بنيوية تعلو وتيرتها اللفظية عند كل منحى تفصيلي يضعه في كنزه المبسوط بتميز فلسفي ومنطقي ذي حقائق" تتيح لكم أن تهبطوا لحظة في نفوسكم حتى الأعماق التي تسكنها الملائكة، فما سوف تتذكرونه، قبل كل شيء عن كائن احببتموه وبعمق ليس الأقوال التي قالها أو الحركات التي أجراها، بل ضروب الصمت هذه هي وحدها التي كشفت نوعية حبكم ونفوسكم"
تزداد نسبة الإقناع والتخيل كلما تعمقنا في الغوص للبحث عن كنز البسطاء، وماهيته الجدلية التي تتميز بمصداقية كتابية أعادت إلى الذاكرة" فراغ سؤال سحيق القدم مسألة الكينونة" ولكن من خلال تدقيق العبارات النابعة من استقراء نوعي ذي دلالات قادها بهدوء نحو فكر القارئ، وغرسها وسط إشارات تفضي إلى تعميق البحث في الكنز الذي يتوجه به نحو البسطاء، باعتبارهم نقطة الوسط التي يتم من خلالها معالجة الأطراف الثانوية التي تتضح وتتبلور مفاهيمها " فمن المهم أن نخرج أحيانا للبحث عن أحزاننا من أجل أن نعرفها ونتأملها حتى لا تكون كتلة مصيرنا الكبيرة التي لا شكل لها في طرف الخط " فمن هم البسطاء؟.
إن البسطاء هم من اختبروا الإنسانية والحياة العميقة، حتى من تساءلوا عن ماهية الموت وماهية الخيانة والإخلاص والتوحد في الشكل والموضوع أو الجمع بينهما كأنهما عملة واحدة " وأن الأشخاص الذين نخلص لهم والأشخاص الذين نخونهم هم ذاتهم دائما." إذا إن فكرة التوضيح الدائم لكل نقطة يبحث عنها تستمر في كل مرحلة من مراحل الكتاب المتلاحمة مع بعضها، والمسبوكة ضمن تفاصيل ازدواجية تتضاد فيما بينها، بإيجازات إيحائية، كالذاكرة والموت، والعداء، والطيبة، والخير، والبيت العادل، والبيت الظالم بصورة متماثلة، معتبرا توسيع الوعي هو الإحساس بقيمة الحياة التي تنعكس على فكرة " إن موتنا هو الذي يقود حياتنا، وليس لحياتنا هدف سوى موتنا." لأن" النفس البشرية نبتة ذات وحدة كاملة، وأن أغصانها تزهر عندما تدق الساعة في الوقت نفسه "حيث يتنافس المستوى المضموني مع المعرفي والأسلوبي مع البحث عن الجمال الداخلي في كل كنز يحتوي معاني إنسانية، هي بحد ذاتها جوهر الحياة، ونقطة حيويتها الطيبة، ولكن هل فعلا " يجب أن يكون المرء قد عانى العذاب من أجل أن يكون طيبا."
إن مفهوم الكنز الحسي هو القيمة الكبرى التي تمنح الكتاب جمالية روحية تؤدي دورها ذهنيا، وتتخذ طابعا ديناميا في التحليل والفهم، وقدرة القارئ على استيعاب المعادلات النسبية ببساطة تميزت بمحتوى صياغي مؤثر، وإشعاع كلامي له أبعاده الذاتية التي أضاءها موريس ماترلنك بآراء وأفكار تأخذ" شكل الكنز السري للبطولة واليوم الذي ترغمنا فيه الحياة على فتح هذا الكنز" إن استخلاص كل مفهوم من بين المفاهيم التي طرحها لإخراج كنز البسطاء من بين ركام الألم باعتباره أول" غذاء للحب، وكل حب يتغذى بشيء من الألم النقي يموت كما الوليد." ولهذا فتح في نهاية الكتاب فكرة الموت بقول لافاتر :" الموت لا يحمل شكلنا غير الحي فقط، ولكن فكرة الموت وحدها تعطي شكلا أجمل للحياة نفسها." فهل الموت هو بداية الحياة التي نرى من خلالها النور البدائي؟ أم أن الكنز الأكبر هو الحب" لأن لحظة الموت تبدو أقصر مما ينبغي لقسوة الحب الحميمة" فمن منا يستطيع استخراج كنزه من الحياة؟
Doha El Mol