" حبل الثلج العائم" دراسات في القصة القصيرة للناقد شوقي بدر يوسف .

ضحى عبدالرؤوف المل

الفن الذي يتمحور حول خلق مؤثرات تتضمن معاني عميقة.

يضيء الناقد شوقي بدر يوسف في كتابه "جبل الثلج العائم" الذي يعالج من خلاله دراسات في القصة القصيرة لبعض الأدباء أمثال محمد صدقي ومحمد الصاوي وغيرهما، مع المفاهيم القصصية التي تميز الأساليب المختلفة عند العديد من كتاب القصة القصيرة، إذ لم يعتمد شوقي يوسف على المبادئ النظرية فقط بل تخطى ذلك واستطاع تشريح الأسلوب القصصي، ووضعه في قوالب الخصوصية الذاتية التي تنبع من قدرته على بث وجوه عديدة في قصة واحدة لهذا الفن الذي يتمحور حول خلق مؤثرات تتضمن معاني عميقة ذات مقومات فنية لها أسسها القادرة على حبك النص القصصي، وجعله ضمن جنس أدبي له خصوصيته من حيث البنية التصويرية، والذات الراوية معتمدا في رؤيته على اللحظة الفنية أو لحظة التوتر.

يشرح شوقي بدر يوسف الواقعية النقدية التي تخيم على إبداعات محمد صدقي معتبرا النص القصصي المتنفس الجمالي باعتباره ذا أيديولوجيا خاصة ارتآها كطريقة حياة، وعانى من تأثيرها معاناة كبيرة مما ترك شفرة سردية خاصة إذ" تتجلى خصوصية الإبداع في الكتابة من خلال البحث الدائم عن هوية خاصة بهم تنبع أساسا من التجربة العامة التي يعيشها الكاتب، ويعايشها معايشة كاملة، وبالتالي فهي توجد بكل جوانبها في إبداعاته "

يسعى شوقي بدر يوسف في كتابه الصادر عن نادي القصة في مصر إلى توضيح الأساليب والدلالات القصصية، لما لها من تأثير على الأدب، وعلى الرؤية الفنية بوصفها تتميز بأيديولوجيات معينة لثقافات مختلفة تخدم بوعي اجتماعي كل المسائل الأدبية، ما يؤدي إلى تكوين نزعة تميل إلى طبقات اجتماعية عايشها الكاتب، ولعل ما شهده محمد صدقي في حياته الخاصة من أزمات ومعاناة كبيرة قد تخلق عنده إحساسا كبيرا بمتناقضات الحياة، وعظم مفارقاتها وتناقضاتها الحية حتى قيل: إن أجمل قصة كتبها محمد صدقي كانت قصته التي عاشها بالفعل، ومارس دقائق أحداثها بنفسه." وفي كلامه هذا عن محمد صدقي حقيقة واقعية ملموسة في دراسات كثيرة عن كتاب قرأنا عنهم الكثير، وتأثرنا بقصصهم من حيث المضمون والأسلوب وجمالية السرد الدلالي الذي يضفي على القصص نوعا من التشويق، مهما اختلفت أنواع القصة، واقعية كانت أو خيالية أو سريالية وغير ذلك.

ما من بنية فنية إلا وتمتلك رؤى مختلفة، حيث يصار إلى ترجمة التفاعلات التي تحدث بين الكاتب والقارئ والقصة نفسها وضمن ثلاثية " تستمد أهميتها بالتبعية من خلال قراءتها قراءة تعتمد على الرغبة والحب المقرون بلذة المعرفة، والمتلقي هو العنصر الثاني الأكثر من أساسي الذي تكون قراءته لهذه النصوص هي غاية الفعل الذي من أجله كتبت هذه النصوص، وليت هذه القراءة كانت مقرونة بالمعرفة والثقافة والرغبة الخالصة في التناول والتلقي، فهل النزوع إلى التجريب في قصص محمد الصاوي يحقق مقروئية فعالة تحدث تجدد في الهوية القصصية؟ أم أن شوقي بدر يوسف يبحث عن" تنقيب في تضاريس هذا الفن لتحديث بنيته الأساسية، ودفع دماء جديدة تسري في شرايينه"؟

إن الإحساس بأهمية الفن القصصي يثيره في النفس الناقد وفق تحليلات اتخذت من الواقعية النقدية منطلقا لها، إذ يشعر القارئ لكتاب" جبل الثلج العائم" كأنه يعوم بين مقولات يستطيع القارئ التلذذ بقراءتها، لأنها تتناقض مع كل كاتب تبعا لنظرية وضعها شوقي، وسار عليها من المقدمة إلى الذروة التي لا تروي فضول القارئ، إلا إني بعد أن أنهيت قراءة الكتاب بدأت بكتابة القصص بعفوية اختزنتها أفكاري التي تأثرت بما طرحه من نماذج وأفكار، ونظريات تؤدي إلى سبك المفاهيم من حيث المفهوم النظري والتطبيقي، كما تطرق أيضا إلى الأسلوب الروائي عند القاص والروائي مصطفى نصر، فالرواية عند مصطفى نصر بمثابة " شريحة عريضة لحياة متشعبة الأركان في مكان له خصوصيته يعبر بها الكاتب عن وجه من وجوه الواقع الضاري المليء بالصراعات والصدامات الإنسانية " إلا إنه أعطى الأهمية الكبرى للفن القصصي الأصيل الذي يقدم أنماطا من الواقع الحياتي بحيث تؤدي القصة دورها في التأثير الانفعالي المؤدي إلى ترسيخ العبرة التي يود الكاتب إيصالها إلى المجتمعات كافة، فهو يقول في كتابه:" أما القصة القصيرة عنده فهي الطاقة المليئة بالمواقف والرؤى واللحظات الرائعة التي تنبض أيضا بواقع الحياة حتى لو كان التعبير عنها من خلال استخدام كل ما هو متاح من القبح والصدامات الكثيرة الموجودة في الأماكن المهمشة"

الكتاب هو ملتقى أدباء اهتموا بكتابة، اهتموا بالجوانب الحياتية والإنسانية بوجه عام، وأضاف شوقي بدر يوسف عليه ملاحظاته الدقيقة، كناقد منفتح على الأساليب العربية والغربية، فهو كحّل كتابه بآراء كتاب غربيين أمثال رولان بارت و جيرار جينت وسواهما تاركا للمتلقي حرية التأثر بما قدمه من نظريات وتطبيقات واستنتاجات تؤدي إلى بلورة تنويعات، ومؤثرات معرفية وأسلوبية انعكست على" الأدب بصفة خاصة، فارتبطت الرواية بتجسيد واقع الحياة والمجتمع بشرائحه وقضاياه المختلفة، بينما ارتبطت القصة القصيرة بالتعبير عن الفرد وواقعه، وكما يقول فرانك أوكونور في كتابه الصوت المنفرد" الرواية هي صوت المجتمع، في حين أن القصة القصيرة هي صوت الفرد" إن المقارنة بين الرواية والقصة تطرق إليها مع مصطفى نصر كقاص وروائي، فهو يكمل النظريات النقدية بوقائع تشريحية حرص على ربط القارئ بها، ليشد انتباهه وانفعالاته نحو أهمية كل من القصة والرواية والفروقات بينهما، فالكل هو من جزء، والجزء هو من كل، وما من وظيفة أدبية تحمل معاييرها الإنسانية الأقلام الحرة إلا وتستطيع الدخول بصدق إلى القلوب .

بين واقع التاريخ وتاريخ الواقع نشهد جمالية نقدية تزاوجت مع الأبعاد الفكرية المختلفة التي تناولها شوقي يوسف بدينامية ناقد جعلني أستمتع بكل ما قدمه في هذا الكتاب" فالتاريخ الفرعوني واستلهامه في الكتابة القصصية والروائية يعتبر من العلامات المهمة في الفن القصصي، حيث يحمل هذا التاريخ في طياته معالم الحياة بكل مقوماتها وأبعادها المختلفة من علاقات إنسانية مكثفة وصراع ونضال وبحث عن الحرية". فقد حرص شوقي على تقديم كل ما يساعد في توضيح هذا الأسلوب، فوضع مجموعة "عربة خشبية خفيفة" تحت مجهر النقد، ليساعد القارئ في فهم شرحه المبسط والمعقد في آن دون أن ينسى نجيب محفوظ في رباعيته عبث الأقدار، ورادوبيس، وكفاح طيبة، والعائش في الحقيقة" وإبداعات أخرى لكتاب عرب لينتقل إلى رواية " نفرتيتي وحلم أخناتون" للكاتبة الفرنسية مصرية الأصل أندريه شديد، ومسرحية أخناتون لأغاثا كريستي، والكثير من الكتاب الغربيين، لندخل بثبات إلى مجموعة القاص قاسم مسعد عليوة حيث تظهر معالم من الحياة المصرية القديمة في نسيج هذه المجموعة التي" جعلت من فلسفة الحياة القديمة بكل أبعادها، وبعض الأساطير الشهيرة المرتبطة بها منبعا لبعض مضامين هذه القصص، وصورة حية مزجها الكاتب بواقع النضال التي مرت به منطقتنا العربية"

لم ينس الإشكاليات البنائية والجمالية في القصة العربية، وما تحمله من أهمية تستحوذ على اهتمامات القارئ مع القدرة على تمهيد الحدث وبلورة الفعل عبر الأزمة المتنامية داخله، فالأهمية القصصية تبدأ من الكلمة الفنية القادرة على إتمام المعنى، والإحساس بجمالية الصورة المقترنة بجمالية المعنى والأسلوب، فكلما " ضاقت المساحة في نسيج النص أصبح الاختزال والتكثيف ضرورة، والإيحاء والكشف أمرا لا بد منه." إن محور البناء المتمثل كفن معماري يبدأ من الفكرة نحو الصعود التدريجي المؤدي في النهاية إلى إنتاج عمل قصصي يستند إلى الواقع، ويعتمد على جمالية اللغة مع الحفاظ على الخلفيات الثقافية كاشفا بذلك شوقي بدر يوسف عن خفايا ديناميكية من شأنها بث روح المتعة عند القارئ المهتم بالقصة أو الرواية .

Doha El Mol